مقالات رأي

عكاشة الأنصاري يكتب:”رونالدو بعمر الأربعين… حين يقلّد الأسطورة نفسه!”

 

 

في ليلة كروية لن تُنسى، وتحديداً مساء يوم الأحد 23 نوفمبر، لم تكتفِ جماهير نادي النصر السعودي بالاحتفال بالهدف الرابع لفريقها في شباك الخليج ضمن الجولة التاسعة من دوري روشن السعودي؛ بل كانت على موعد مع استعراض بصري أعاد إلى الذاكرة أروع الفصول في مسيرة الأسطورة كريستيانو رونالدو. ففي الدقيقة 95 من زمن المباراة التي أقيمت على ملعب الأول بارك في العاصمة الرياض، سجّل رونالدو هدفاً بمقصية طائرة، كانت بمثابة “المحاكاة الكاملة” لأيقونته الخالدة في مرمى الحارس التاريخي جيانلويجي بوفون.

نعود بالذاكرة قليلاً إلى الوراء، وتحديداً إلى ليلة تاريخية في مدينة تورينو الإيطالية التي يُطلق عليها البعض “مهد السينما”. كان ذلك في ذهاب ربع نهائي دوري أبطال أوروبا لموسم 2017-2018، حين تلقى كريستيانو رونالدو، وهو في الثالثة والثلاثين من عمره، عرضية متقنة من داني كارفاخال. وبفضل مرونته الجسدية الخارقة وقوته البدنية، حوّل الكرة إلى لوحة فاخرة سكنت شباك الحارس بوفون. أصابت المقصية بوفون بالذهول والإعجاب في آن واحد، وتصلّب خلفه خط الدفاع، غير مدرك كيف حصلت تلك القفزة الهوائية المذهلة. حتى الجمهور المناصر ليوفنتوس، الذي جاء للاستمتاع بترف كرة القدم، لم يجد مفراً من الوقوف والتصفيق لجمالية الهدف رغم الألم الذي أحدثه. لحظة رسّخت أسمى معاني الاحترام الرياضي وأسهمت لاحقاً في تشكيل قناعة رونالدو بالانتقال إلى “السيدة العجوز”.

واليوم، يظهر رجل الأربعين عاماً من جديد في العاصمة السعودية، متحدياً ليس فقط المنافسين، بل قوانين الجاذبية والزمن نفسه. في المشهد الثاني، تتقلّد قدم اللاعب بوشل دور كارفاخال، مُرسِلة عرضية للنجم الذي أثبت أن لا أحد يجيد تقليد أهدافه الخالدة غيره هو. كان هنا المخضرم رونالدو، لا ذلك الشاب الذي اعتدناه، ولكنه بذات المهارة والدقة التي صنعت منه أيقونة كروية. فحينما أصاب الهدف الأول بوفون بالذهول، حاول الحارس انتوني موريس أن يكتب لحظته، لكن محاولته بقيت مجرد محاولة لتدخل لوكسمبورغ المشهد بالقصة كدولة حاولت وفشلت بالصمود أمام قوة وإرادة وإصرار كريستيانو، عبر حارسها الذي يمثل الخليج، الفريق المنضم لليوفي رغم اختلاف القمصان والدوريات، جمعهم هدف واحد فقط.

تلك اللقطة السينمائية الجديدة بدت وكأنها توقيع إضافي يُخلّد إرث رونالدو كلاعب يتجاوز حدود العمر، ويبرهن أن القصص السردية في كرة القدم تُكتب بأقدام العظماء حتى اللحظات الأخيرة. وفي المسافة الممتدة بين احترام جماهير يوفنتوس في أليانز أرينا يومها، وصوت جماهير النصر وهي تحتفل بالشعور ذاته على بُعد أمتار فقط من رونالدو، تتجلى الحقيقة التي لا يختلف عليها اثنان: كرة القدم ليست لعبة أقدام فحسب، بل لعبة ذاكرة تحفظ لقطات يخطّها لاعبون من طراز خاص، وتعيد سردها كلما عادوا هم لتحدي الزمن.

في ليلة الخليج، أضاف رونالدو صفحة جديدة إلى أرشيفه الذهبي، صفحة تعيد سؤالاً واحداً إلى الواجهة: من يستطيع أن يقلّد لقطة صنعها هو نفسه… وبذات القدم… بعد أعوام طويلة؟ معجزة تورينو وُلدت من جديد في الرياض، والأسطورة كعادته يرفض أن يسمح للتاريخ بأن يُكتب من دونه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com