الأزرق الكويتي… هل تظل المعاناة مستمرة؟

الدوحة- حسن آل قريش
جاءت تصريحات رئيس الاتحاد الكويتي لكرة القدم، الشيخ أحمد يوسف الصباح، لتكشف واقعًا مؤلمًا يعيشه الأزرق الكويتي، واقع لم يعد خافيًا على المتابعين، لكنه هذه المرة خرج إلى العلن بصراحة غير مسبوقة. لم تكن الكلمات مجرد تبرير لخروج المنتخب من كأس العرب، بل كانت أقرب إلى صرخة اعتراف بأن كرة القدم الكويتية ما زالت تدفع ثمن غياب القرار، وتأخر الإصلاح، وعدم حسم ملف الاحتراف بشكل جذري.
من الناحية الفنية، فإن أول ما يلفت الانتباه في هذه التصريحات هو الإقرار الواضح بأن لاعبي المنتخب غير متفرغين لكرة القدم. هذه الجملة وحدها كافية لتفسير كثير من مظاهر التراجع داخل الملعب. كرة القدم الحديثة لم تعد تقبل أنصاف الحلول؛ اللاعب الذي ينافس اليوم على المستوى الإقليمي أو القاري يحتاج إلى تفرغ كامل، إعداد بدني وذهني مستمر، ونمط حياة مبني بالكامل على الاحتراف. وعندما يُطلب من لاعب أن يجمع بين التدريب والمباريات من جهة، ووظيفة مهددة ومستقبل وظيفي غير مستقر من جهة أخرى، فإن النتيجة الطبيعية تكون فقدان التركيز، وتراجع الأداء، وانعدام الاستمرارية.
فنيًا، اللاعب غير المتفرغ يعاني في التفاصيل الصغيرة التي تصنع الفارق: سرعة اتخاذ القرار، الجاهزية الذهنية في الدقائق الحاسمة، والقدرة على تنفيذ التعليمات التكتيكية تحت الضغط. هذه العناصر لا تُبنى في المعسكرات القصيرة، بل هي نتاج عمل يومي طويل داخل منظومة احترافية واضحة، وهو ما تفتقده الكرة الكويتية بحسب ما حملته التصريحات.
لكن البعد الإنساني في حديث رئيس الاتحاد كان أكثر إيلامًا من أي تحليل فني. الحديث عن لاعب سُحب بيته، وآخر فقد جنسيته، وثالث تم فصله من عمله خلال مشاركة رسمية باسم المنتخب، يكشف حجم الهشاشة التي يعيشها اللاعب الكويتي. كيف يمكن للاعب أن يدخل مباراة وهو منشغل بمصير أسرته؟ وكيف يُطلب منه الدفاع عن قميص الوطن في وقت لا يشعر فيه أن هذا الوطن يحميه كرياضي؟ هذه الأسئلة لا تمس الأداء فقط، بل تمس جوهر الانتماء والدافع النفسي، وهما عنصران أساسيان في أي مشروع كروي ناجح.
وتنعكس هذه الإشكاليات خارج الملعب بشكل مباشر على القرارات الفنية داخله. ففي مباراة المنتخب الكويتي أمام الأردن في الجولة الثانية، وبعد تعادل إيجابي مع مصر بالجولة الأولى حافظ فيه الأزرق على توازنه، فاجأ المدرب سوزا الجميع بإجراء تغيير كامل أمام النشامى على التشكيلة الأساسية، شمل 11 لاعبًا دفعة واحدة، في سابقة نادرة على مستوى المنتخبات. هذا القرار، فنيًا، يطرح علامات استفهام كبيرة حول ثبات الهوية، واستقرار الاختيارات، ومدى انسجام اللاعبين، خاصة في بطولة قصيرة تحتاج إلى أقل قدر ممكن من المغامرة التكتيكية.
التغيير الشامل لا يعكس فقط اجتهادًا فنيًا، بل قد يكون مؤشرًا على غياب القناعة أو البحث عن حلول سريعة في بيئة غير مستقرة أصلًا. ومع دخول المنتخب المباراة التالية أمام الأردن بهذا التشكيل الجديد، افتقد الأزرق الانسجام والربط بين الخطوط، وتلقى الخسارة التي أنهت آماله في الاستمرار بالبطولة. هنا تتقاطع الأزمة الفنية مع الأزمة المؤسسية؛ مدرب يبحث عن حلول وسط لاعبين مثقلين بالهموم، ومنظومة لا تمنحه الاستقرار اللازم لبناء شكل ثابت للمنتخب.
من زاوية فنية بحتة، فإن غياب الاستقرار خارج الملعب ينعكس مباشرة داخله. اللاعب القلق لا يغامر، والمتردد لا يصنع الفارق، والخائف من الغد يلعب بأقل من إمكاناته الحقيقية. وهذا ما يفسر ظهور الأزرق في كأس العرب بصورة باهتة، رغم وجود عناصر تملك الموهبة والخبرة. المشكلة لم تكن في الأسماء، بل في البيئة التي تعمل فيها هذه الأسماء، وفي قرارات فنية اضطرارية فرضها واقع مرتبك.
تصريحات رئيس الاتحاد حملت أيضًا اعترافًا ضمنيًا بأن الاتحاد، رغم مسؤوليته، ليس صاحب القرار الكامل. المطالبة بـ«استراتيجية واضحة للدولة بخصوص الرياضة» تعني أن كرة القدم الكويتية لا تزال أسيرة قرارات متداخلة، وأن الاحتراف لم يتحول بعد إلى خيار وطني مُلزم. فنيًا، لا يمكن لأي اتحاد أن يبني مشروع منتخب قوي دون غطاء تشريعي واضح يضمن تفرغ اللاعب، ويحمي حقوقه، ويمنحه الأمان الوظيفي والاجتماعي.
يبقى الآن السؤال مفتوحًا: هل ما قيل هو بداية الحل أم مجرد توصيف متأخر للأزمة؟ الرؤية الفنية تقول إن التشخيص كان صادقًا، لكنه لن يكون كافيًا ما لم يتبعه فعل. الأزرق الكويتي لا يحتاج فقط إلى مدرب أو تشكيلة مختلفة، بل إلى منظومة احتراف حقيقية تضع اللاعب في قلب المشروع، وتمنحه الاستقرار الذي بدونه ستظل المعاناة مستمرة، مهما تغيّرت الأسماء وتبدّلت الخطط.



