فوز الرحيلي تكتب:”الإعلام الرياضي تحت المجهر: عندما يقود غير المؤهلين المشهد إلى التعصب’

لم يعد المشهد الإعلامي الرياضي في المملكة بحاجة إلى توصيف أو تشخيص أولي فمظاهر الخلل باتت واضحة للمتابع والمتخصص على حد سواء ما نعيشه اليوم ليس حالة عابرة من الانفعال الجماهيري بل أزمة مركبة قادها الإعلام الرياضي ذاته حين تراجعت المهنية وتقدّم التعصب ليصبح العنوان الأبرز في الخطاب اليومي الموجّه للجمهور.
الإعلام الرياضي بحكم تأثيره الواسع يفترض أن يكون أداة وعي وتحليل وتفسير لا منصة تحريض أو استقطاب إلا أن الواقع يشير بوضوح إلى أن متصدري المشهد الإعلامي ومقدمي البرامج الرياضية كانوا السبب الأساسي في تعميق هذه المعضلة فبدل أن يقودوا الجماهير نحو الفهم والتهدئة قادوا الرياضة إلى التعصب عبر خطاب انتقائي وإدارة نقاش تفتقر للحياد وممارسات إعلامية لا تنسجم مع أبسط قواعد العمل المهني.
الأخطر من ذلك أن شريحة كبيرة من هؤلاء المتصدرين لا تملك التأهيل الأكاديمي المتخصص في الإعلام الرياضي ولا الخلفية المهنية التي تخوّلها قيادة مشهد رياضي وطني بهذه الحساسية غياب الدراسة المنهجية وضعف الإدراك لوظيفة الإعلام الرياضي جعلا الخطاب أسير الانتماءات والميول الشخصية لا التحليل والمعرفة وهنا يصبح السؤال مشروعًا: كيف يُمنح منبر وطني مؤثر لمن لم يُعد علميًا ولا مهنيًا لتحمّل تبعاته؟
لقد تم عقد العديد من الاجتماعات واللقاءات لمعالجة ظاهرة التعصب الرياضي إلا أن الملاحظة اللافتة أن الحضور هم الأسماء ذاتها التي تُعدّ أصل المشكلة وأحد أبرز أسبابها المفارقة أن من يُفترض بهم أن يكونوا جزءًا من الحل هم أنفسهم من أسهموا في صناعة الأزمة وهذا يفتح باب تساؤل جوهري: لماذا هذا الإصرار على إعادة تدوير الوجوه نفسها؟ وعلى أي أساس يتم تمكينهم من الاستمرار في الواجهة رغم أن التجربة أثبتت فشلهم في تهدئة المشهد بل مساهمتهم في تصعيده؟
إن معالجة التعصب لا يمكن أن تكون حقيقية إذا استمرت بعقلية شكلية تُدير الأزمة بدل أن تحلّها الإصلاح لا يتحقق عبر الاجتماعات وحدها ولا عبر خطاب التهدئه المؤقت بل عبر مراجعة جذرية لمن يقودون المشهد الإعلامي ومعايير اختيارهم وآليات محاسبتهم فالإصرار على الأسماء ذاتها يعكس خللًا في منهج الإصلاح نفسه ويُقصي في المقابل طاقات شابة مؤهلة أكاديميًا ومهنيًا كان من الأجدر إشراكها في صياغة الحلول.
وتزداد خطورة هذا الواقع في ظل الاستحقاقات الوطنية الكبرى التي تستعد لها المملكة وفي مقدمتها استضافة كأس آسيا 2027 وكأس العالم 2034 هذه الأحداث لا تُقاس فقط بجاهزية الملاعب والبنية التحتية بل بنضج الخطاب الإعلامي المصاحب لها ولا يمكن لدولة تتجه لاستضافة أكبر حدث رياضي في العالم أن تقبل بإعلام رياضي يقوده غير المؤهلين أو بخطاب يعكس انقسامًا وتعصبًا بدل الاحتراف والنضج.
في الوقت الذي تتقدم فيه الرياضة السعودية بخطوات متسارعة على مستوى التنظيم والحوكمة والاستثمار لا يزال جزء من إعلامها الرياضي يعمل بعقلية قديمة لا تنسجم مع التحول الوطني ولا بد من اقصاء هذه العقول التي عمّقْت هذه الفجوة بين مشروع رياضي وطني طموح وإعلام رياضي متعثر تمثل خطرًا حقيقيًا على الصورة الذهنية للمشهد الرياضي السعودي.
إن الإصلاح الحقيقي يبدأ بالاعتراف بأن متصدري المشهد الإعلامي الحاليين ومقدمي البرامج الرياضية يتحملون مسؤولية مباشرة عمّا وصل إليه الإعلام الرياضي ويستمر عبر إعادة هيكلة شاملة تربط الظهور الإعلامي بالكفاءة والتخصص والسجل المهني لا بالشهرة أو إثارة الجدل كما يتطلب فتح المجال أمام جيل جديد من خريجي الإعلام المتخصصين في الإعلام الرياضي بعد فتح مجال دراسة الإعلام المتخصص في الجامعات هؤلاء هم القادرين على قيادة خطاب واعٍ متزن ومواكب للمعايير الدولية.
الإعلام الرياضي اليوم أمام مفترق طرق: إما أن يُعاد بناؤه على أسس مهنية واضحة تليق بمكانة المملكة وطموحاتها العالمية أو أن يستمر كعامل تأزيم يقود الرياضة نحو مزيد من الانقسام ومع ما ينتظر المملكة من أدوار عالمية لم يعد مقبولًا أن يُدار هذا القطاع بعقلية غير مؤهلة أو أن يُترك رهينة لمن قادوه أصلًا إلى هذه الأزمة.



