حسن آل قريش يكتب:”خليل المهندي.. ثلاثون عامًا من البناء وصناعة الحدث قبل الإنجاز”

بعد أكثر من ثلاثين عامًا من العطاء المتواصل، قرر خليل بن أحمد المهندي عدم الترشح لولاية جديدة على رئاسة الاتحاد القطري لكرة الطاولة، مختتمًا مسيرة إدارية استثنائية لم تكن عادية في تفاصيلها ولا في نتائجها، ومسلمًا الراية وهو في قمة الرضا عما تحقق من منجزات وضعت الاتحاد القطري في مصاف المؤسسات الرياضية العالمية.
قرار المهندي، المتزامن مع عدم ترشح أعضاء مجلس الإدارة الحاليين، عكس وعيًا مؤسسيًا نادرًا، ورسالة واضحة بأن الاستدامة لا تتحقق إلا بإتاحة الفرصة لأجيال جديدة تكمل المسيرة، في وقت أصبحت فيه كرة الطاولة القطرية تمتلك بنية إدارية وفنية راسخة قادرة على الاستمرار.
منذ تسلمه رئاسة الاتحاد في تسعينات القرن الماضي، قاد المهندي مرحلة انتقالية فارقة، نقل خلالها اللعبة من نطاقها المحدود إلى فضاء أوسع، محليًا وقاريًا ودوليًا. لم تكن رؤيته مقتصرة على تحقيق نتائج أو ميداليات، بل تجاوزت ذلك إلى بناء صورة ذهنية جديدة للعبة، تقوم على الاحتراف، والتنظيم، والحضور الإعلامي، والبعد الجماهيري.
ويُعد تنظيم بطولة العالم 2025 لكرة الطاولة إحدى أبرز محطات تلك المسيرة، بل واحدة من أنجح وأهم التجارب التي جسدت فكر المهندي الإداري. فقد ظهرت البطولة، التي استضافتها الدوحة، بصورة جعلت كرة الطاولة أشبه بلعبة شعبية كبرى، حاضرة في المشهد الإعلامي والشارع الرياضي، بعد أن كانت محصورة في إطار المتخصصين. كنت حاضرًا في هذه البطولة، وغطيت صحيفة الكأس تفاصيلها ميدانيًا، وقدمت عنها ملحقًا خاصًا عكس حجم الحدث، وكشف كيف تحولت كرة الطاولة إلى حديث الجمهور، لا مجرد منافسة داخل الصالات.
ذلك النجاح لم يكن مصادفة، بل نتيجة تخطيط طويل الأمد، حيث حظيت البطولة بإشادة واسعة من الاتحاد الدولي لكرة الطاولة، الذي احتفى بحفل افتتاح النسخة الـ59 من بطولة العالم، المقامة على صالة لوسيل الرياضية، بمشاركة 640 لاعبًا ولاعبة من 127 دولة، واعتبرها لحظة تاريخية في مسيرة اللعبة عالميًا.
دوليًا، رسّخ المهندي حضوره عبر مناصبه القيادية، كنائب لرئيس الاتحاد الدولي، ورئيس للاتحادين العربي والآسيوي، ما جعله أحد أبرز صناع القرار في كرة الطاولة العالمية، ومدافعًا عن مصالح اللعبة والاتحادات العربية، ومساهمًا في تطوير اللوائح والمسابقات.
وعلى الصعيد المحلي، لم يغفل عن صناعة الإنسان، فعمل على إعداد جيل إداري جديد، وبناء صف ثانٍ من الكفاءات، ليضمن للاتحاد الاستمرارية والتجدد. وقد تُوّجت هذه الجهود بانتخاب حمد الحمادي رئيسًا جديدًا للاتحاد، في انتقال سلس يعكس متانة البناء المؤسسي.
اليوم، يغادر خليل المهندي منصبه ورأسه مرفوعًا، بعد أن ترك إرثًا إداريًا وتنظيميًا سيظل حاضرًا في ذاكرة الرياضة القطرية، مؤكدًا أن الإنجاز الحقيقي لا يُقاس بطول البقاء في المنصب، بل بعمق الأثر الذي يُترك بعد الرحيل.



