فوز الرحيلي تكتب:”النصر يتصدر ليُربك خصومه صدارة تُدار بالعقل وتُوجِع بالأرقام”

يتصدر نادي النصر السعودي مشهد دوري روشن للمحترفين هذا الموسم بانطلاقة تعد من الأندر في تاريخ المنافسة ليس فقط من حيث النتائج بل من حيث الصورة العامة لفريق يبدو أنه وصل إلى درجة عالية من النضج الفني والإداري عشرة انتصارات متتالية في أول عشر جولات ثلاثون نقطة كاملة ثلاثة وثلاثون هدفا مسجلا وخمسة أهداف فقط استقبلتها الشباك بفارق أهداف بلغ ثمانية وعشرين كلها مؤشرات لا يمكن التعامل معها بوصفها مصادفة أو موجة مؤقتة بل كنتاج مباشر لعمل منظم بدأ قبل صافرة الجولة الأولى بوقت طويل
هذه البداية الاستثنائية جعلت النصر أول فريق في تاريخ الدوري السعودي يحقق النقاط الكاملة في أول عشر مباريات متجاوزاً الرقم السابق الذي كان مسجلاً باسم الهلال في موسم 2018 – 2019 وهو رقم يحمل دلالة إضافية حين نعلم أن المدرب ذاته جورجي جيسوس يقف اليوم على دكة النصر الفارق هنا أن المشهد لم يعد مجرد تكرار لتجربة سابقة بل إعادة توظيف لخبرة تراكمت ووضعت في بيئة مختلفة وبأدوات أوسع
القراءة المتأنية لما يحدث في النصر هذا الموسم تكشف أن الصدارة الحالية ليست وليدة الأسابيع الأخيرة بل نتيجة لمسار تصحيحي فرض نفسه بعد سلسلة من المواسم التي شهدت عدم استقرار فني وإداري فالنادي مر خلال فترة قصيرة بثلاثة مدربين وتذبذبت خلالها الهوية الفنية وتعددت القرارات دون أن تلتقي عند رؤية موحدة هذه الفوضى النسبية دفعت الإدارة إلى إعادة النظر في طريقة إدارة المشروع الرياضي من جذوره لا عبر المسكنات بل عبر قرارات حاسمة بدأت بتغيير الجهاز الفني ولم تنته عند حدود الملعب
التعاقد مع المدرب البرتغالي جورجي جيسوس لم يكن قراراً عابراً بل خطوة محسوبة تستند إلى سجل تدريبي يعرف طبيعة الدوري السعودي وضغوطه جيسوس جاء برؤية واضحة لا تعتمد على الأسماء بقدر اعتمادها على المنظومة وعلى فرض الانضباط التكتيكي قبل إطلاق العنان للمهارة الفردية منذ الأسابيع الأولى ظهر النصر كفريق يعرف ماذا يريد من كل مباراة متى يضغط ومتى يهدأ وكيف يدير تقدمه دون تهور
في قلب هذا المشروع يقف القائد كريستيانو رونالدو الذي تحول هذا الموسم من مجرد نجم عالمي إلى ركيزة فنية وذهنية مشاركة كاملة في عشر مباريات وتسجيل اثني عشر هدفاً وتصدر قائمة الهدافين كلها أرقام تؤكد أن اللاعب لا يزال حاضرا بأدواته رغم عامل العمر لكن الأهم من الأرقام هو تأثيره على المجموعة ثقافة الفوز الانضباط والالتزام وهي عناصر انتقلت بوضوح إلى بقية اللاعبين وجود رونالدو لم يعد مجرد إضافة هجومية بل عامل استقرار داخل غرفة الملابس خاصة مع تمديد عقده حتى عام 2027
على المستوى الإداري شهد النادي تحولات لا تقل أهمية عن التغييرات الفنية إعادة ترتيب الهيكل التنفيذي وتعيين إدارة قادرة على اتخاذ القرار دون تردد أسهما في تقليص الفجوة بين الإدارة والجهاز الفني هذا الانسجام انعكس على سرعة الحسم في الملفات سواء المتعلقة بالتعاقدات أو بمعالجة الأخطاء أو بتوفير متطلبات الفريق الأول وجود أسماء ذات خبرة أوروبية في مواقع القرار أضفى على العمل اليومي طابعاً احترافياً بعيداً عن ردود الفعل المتسرعة
أما في سوق التعاقدات فقد بدا النصر أكثر هدوءًا ونضجًا في اختياراته لم تكن الصفقات مبنية على الاسم فقط بل على الحاجة الفنية والتكامل مع المنظومة تنوّع الحلول الهجومية بوجود لاعبين قادرين على التسجيل والصناعة خفّف الضغط عن رونالدو وجعل الفريق أقل قابلية للتوقف عند غياب لاعب أو تراجع آخر في المقابل جاء البناء الدفاعي أكثر توازنًا مع عناصر تجيد التمركز واللعب الجماعي ما انعكس مباشرة على قلة عدد الأهداف المستقبلة .
خطّ الوسط لعب دورًا محوريًا في هذه المعادلة حيث ظهرت القدرة على التحكّم في نسق اللعب وربط الخطوط وفرض الإيقاع المناسب لكل مباراة لم يعد النصر فريق اندفاع فقط بل فريقًا يعرف كيف يدير الوقت وكيف يقتل ردة فعل الخصم وكيف يحافظ على تفوقه دون مخاطرة زائدة هذا التحوّل التكتيكي يُحسب للجهاز الفني كما يُحسب للاعبين الذين استوعبوا الأدوار بوضوح
التحضير البدني كان عاملاً حاسماً في هذه الانطلاقة المعسكر الصيفي لم يكن شكلياً بل بني على رفع الجاهزية البدنية وزيادة الانسجام وتجربة أكثر من سيناريو لعب كما أن الانتقال إلى مقر تدريبي حديث ومتكامل منح اللاعبين بيئة مثالية للعمل حيث أصبحت التفاصيل اليومية من الاستشفاء إلى التحليل البدني جزءاً من منظومة متكاملة لا مجرد إجراءات روتينية
أحد أبرز مكاسب النصر هذا الموسم يتمثل في عمق دكة البدلاء القدرة على التدوير دون أن يفقد الفريق هويته أو توازنه تعكس جودة العمل في اختيار العناصر وفي إعدادها ذهنياً وبدنياً حتى مع ضغط المباريات وتواليها ظل النصر محافظاً على نسقه وهو أمر نادر في المنافسات الطويلة كما أن منح الفرصة للاعبين الشباب بشكل مدروس يعكس رؤية تتجاوز الموسم الحالي وتسعى لبناء قاعدة مستدامة
ورغم هذه الصورة المشرقة يبقى التحدي الحقيقي فيما هو قادم فالموسم لا يحسم في الجولات الأولى والاختبارات الأصعب غالباً ما تأتي حين تتقارب المستويات وتزداد الضغوط المواجهات المقبلة ستختبر قدرة النصر على الحفاظ على تركيزه وعلى التعامل مع الضغط الجماهيري والإعلامي خاصة في المباريات الكبيرة التي تلعب على تفاصيل صغيرة
هنا يبرز دور الجمهور النصراوي الذي شكل عبر تاريخ النادي عنصراً فاعلاً في مسيرته الدعم الجماهيري داخل الرياض وخارجها ليس مجرد حضور عددي بل طاقة نفسية تدفع الفريق لتجاوز اللحظات الصعبة إدارة النادي تعي هذا الدور وتعول على جمهور الشمس ليكون شريكاً في هذا المشروع لا متفرجاً عليه
في الخلاصة ما يقدمه النصر هذا الموسم هو نموذج لفريق أعاد تعريف نفسه وصحح مساره وبنى مشروعه على أسس فنية وإدارية واضحة الصدارة الحالية وتحطيم الأرقام القياسية ليست الهدف بحد ذاتها بل مؤشر على أن الطريق بات صحيحاً العبرة ستبقى في النهاية بقدرة الفريق على تحويل هذا التفوق إلى بطولة لكن المؤكد أن النصر اليوم يبدو أكثر جاهزية وأكثر توازناً وأكثر وعياً بما يريد وإذا ما حافظ على هذا النسق فإن الحديث عن موسم استثنائي لن يكون مبالغة بل توصيفاً دقيقا ً لواقع يكتب الآن داخل المستطيل الأخضر



