مقالات رأي

فوز الرحيلي تكتب:” هزيمتان وتعادل للنصر هل أخفقت الإدارة في حماية مشروع التصدر؟”

 

ما يحدث في النصر في مبارياته الأخيرة لا يمكن قراءته كتعثر عابر ولا يجوز تضخيمه إلى حد الهدم الكامل للمشهد فالفريق انتقل من مرحلة التصدر وتحطيم الأرقام القياسية إلى واقع هزيمتين وتعادل في فترة قصيرة وهي حصيلة تفتح باب الأسئلة أكثر مما تبررها الأعذار الحقيقة أن ما يحدث هو نتاج تراكم تفاصيل صغيرة لم تُدار بذات الدقة التي صُنعت بها مرحلة الانتصارات

النصر حين تصدر لم يكن ينتصر فقط بجودة الأسماء بل بانضباط المنظومة الذهنية كان الفريق يلعب بالعقلية نفسها في الدقيقة الأولى كما في الدقيقة التسعين وكان واضحًا أن القرار الفني محمي إداريًا وأن اللاعب يدرك دوره وحدوده اليوم نرى صورة مختلفة تراجع في الحدة الذهنية بطء في رد الفعل بعد استقبال الأهداف ارتباك في التحولات الدفاعية وتكرار أخطاء سبق معالجتها سابقًا وهذا مؤشر على خلل ذهني فني أكثر من كونه خللًا تكتيكيًا بحتًا

ولا يمكن تجاوز أثر غياب عناصر مؤثرة مثل ساديو ماني وسيمكان إذ كشف الغياب حقيقة لا تقبل الجدل الفريق تأثر نعم لكنه تأثر أكثر مما ينبغي الفريق الكبير لا يُقاس بقوته عند اكتمال صفوفه بل بقدرته على الحفاظ على المستوى ذاته مهما غاب نجم أو أكثر وهنا تتضح المشكلة أن جودة البديل لا تضاهي جودة الأساسي وأن المنظومة تتغير بتغير الأسماء وهو خلل في مفهوم البناء لا في الغيابات بحد ذاتها

اللاعبون يتحملون جزءًا واضحًا من المسؤولية لا من باب الاتهام بل من باب الواقع بعض العناصر الأساسية تلعب بذات الإيقاع منذ فترة طويلة دون تدوير فعلي ما انعكس إرهاقًا بدنيًا وذهنيًا وظهرت الفجوات في الالتحامات والتمركز والافتكاك كما أن الاعتماد المفرط على الحلول الفردية عند التعقيد أعاد الفريق خطوة إلى الخلف بعد أن كان يلعب ككتلة واحدة متماسكة

وهنا نصل إلى نقطة جوهرية تتعلق بجودة الاختيار نفسها فليس كل لاعب يحمل اسمًا كبيرًا أو سجلًا سابقًا قادرًا على خدمة الفريق في كل الظروف الجودة الحقيقية تُقاس بمدى ملاءمة اللاعب للفكرة الفنية وقدرته على أداء أدوار متعددة بنفس الكفاءة الفريق المنافس على البطولات يحتاج أن يكون الفارق بين الأساسي والبديل محدودًا جدًا وإلا تحولت الغيابات إلى أعذار متكررة بدل أن تكون اختبارًا للجاهزية

فنيًا لا يعاني الفريق من فقر في الأدوات لكنه يعاني من عناد لحظي في إدارة بعض المباريات قراءة الخصم أصبحت أبطأ والتبديلات في بعض المواجهات جاءت متأخرة أو غير مؤثرة بالشكل المطلوب وهذا لا يعني ضعف الجهاز الفني بقدر ما يعني أن المنافسين قرأوا الفريق جيدًا وبدأوا اللعب على نقاط استنزافه لا مواجهته مباشرة

إداريًا لا تكمن المشكلة في القرارات الكبرى بقدر ما تكمن في التفاصيل اليومية الخطاب الإعلامي الداخلي التوقعات المرتفعة تضخيم الإنجاز السابق وعدم إدارة مرحلة ما بعد التصدر بذات الهدوء كلها عوامل تضغط على اللاعب دون أن يشعر الفارق كبير بين إدارة تصنع الصدارة وإدارة تحميها وهنا يبدو أن الانتقال لم يكن سلسًا بالشكل الكافي

ولأن تشخيص الخلل دون تحديد الاحتياج بدقة يبقى نصف معالجة فإن الحديث عن التصحيح يفرض تسمية المراكز الناقصة بوضوح الفريق بحاجة إلى محور ارتكاز دفاعي قادر على قراءة اللعب وكسر التحولات وإيقاف المرتدات بانضباط عال كما يحتاج إلى عمق حقيقي في قلب الدفاع بمدافع جاهز ذهنيًا وبدنيًا لا مشروع مستقبلي إضافة إلى جناح قادر على كسر التكتلات وصناعة التفوق الفردي وإعادة التنوع الهجومي الذي تراجع مؤخرًا فضلًا عن معالجة الفجوة الواضحة في جودة دكة البدلاء

أما دور الإدارة في المرحلة المقبلة فهو الاختبار الحقيقي السوق الشتوي ليس مساحة لترضية الشارع ولا لعقد صفقات أسماء بل نافذة تصحيح دقيقة المطلوب جلب لاعبين بجودة متقاربة مع الأساسيين يخدمون الفكرة الفنية ويحافظون على الهوية نفسها دون أن ينهار الأداء بغياب نجم أو اثنين كما أن حماية القرار الفني وضبط الخطاب الإعلامي ومنح الفريق الاستقرار الذهني باتت ضرورة لا خيارًا

ورغم كل ما سبق تبقى الفرصة قائمة ولا يمكن تجاهل الواقع الرقمي الفارق بين المتصدر الحالي والنصر أربع نقاط فقط والدوري لا يزال طويلًا ومفتوحًا على احتمالات كثيرة وهو ما يجعل التصحيح السريع ضرورة عاجلة لأن العودة إلى الصدارة ليست مستحيلة لكنها مشروطة بإدارة ذكية للمرحلة القادمة وتحويل العثرة من عبء نفسي إلى دافع عملي يعيد الفريق إلى موقعه الطبيعي في سباق اللقب

ما يحتاجه نادي النصر اليوم ليس تغيير الاتجاه ولا هدم المشروع بل إدارة واعية للحظة التراجع لأن الفارق بين فريق بطل وفريق يضيع موسمه غالبًا لا يكون في الإمكانيات بل في كيفية التعامل مع أول اختبار حقيقي بعد القمة .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com