فهد الحربي يكتب:”لجنة الحسم التحكيمي… حين تصبح العدالة ضرورة لا خيارًا”

لم يعد الجدل التحكيمي في ملاعب كرة القدم مجرد نقاش فني عابر، بل تحوّل في الآونة الأخيرة إلى حالة استنزاف مستمرة للمشهد الرياضي، تُغذّي التعصب، وتُربك الجماهير، وتضع الحكام تحت ضغطٍ يفوق حدود المنطق. ومع تكرار الحالات الجدلية، يبدو أننا أصبحنا أمام واقع جديد يفرض نفسه بقوة: ضرورة إنشاء لجنة تحكيمية عُليا، تكون مهمتها الفصل العاجل والحاسم في أي أحداث تحكيمية مثيرة للجدل، وقطع الطريق نهائيًا على الاجتهادات المتناقضة وتغييب الحقائق.
إن ترك القرارات التحكيمية معلّقة بين آراء محللين، واجتهادات إعلاميين، وتفسيرات متباينة عبر المنصات، لا يخدم اللعبة ولا يحمي عدالتها. بل على العكس، يُحوّل الخطأ التحكيمي — وهو جزء طبيعي من كرة القدم — إلى قضية رأي عام مشحونة، تتجاوز حدود الملعب، وتنعكس سلبًا على الثقة في المنافسة ونزاهتها.
من هنا، تبرز أهمية وجود لجنة تحكيمية عُليا مستقلة، تضم نخبة من الخبرات التحكيمية المعتمدة، تعمل وفق معايير واضحة وشفافة، وتملك الصلاحية الكاملة لمراجعة الحالات الجدلية باستخدام التقنيات الحديثة، بعيدًا عن الضغوط الإعلامية أو الميول الجماهيرية. لجنة لا تُجامل، ولا تُدافع، بل تُقيّم وتُصدر حكمها الفني الصريح.
ولأن العدالة المتأخرة تُفقد قيمتها، فإن جوهر هذه الفكرة يكمن في الزمن. فالحسم يجب أن يكون سريعًا، ومحددًا، وملزمًا. إصدار قرار نهائي خلال 24 ساعة فقط من نهاية المباراة، يُوضح للرأي العام ما إذا كان الحكم قد أصاب أو أخطأ، ولماذا. عندها فقط، يُغلق الملف، وتنتهي مساحة الجدل، ويتحوّل النقاش من الاتهام والتشكيك إلى الفهم والتعلّم.
لكن العدالة التحكيمية لا تكتمل دون مسؤولية إعلامية. فقد بات واضحًا أن بعض الأقلام والأصوات لا تبحث عن الحقيقة، بقدر ما تبحث عن الإثارة، فتُجيّش الجمهور بمغالطات، وتُقدّم آراءً غير دقيقة، أو تُفسّر الحالات وفق الانتماء لا القانون. هذا السلوك لا يسيء للحكام فحسب، بل يضرب استقرار المنافسة ويُعمّق الانقسام بين الجماهير.
من هنا، تصبح محاسبة كل من يثبت تعمّده نشر معلومات تحكيمية مغلوطة أو التحريض على أساسها، جزءًا لا يتجزأ من إصلاح المنظومة. النقد حق مشروع، بل ضرورة، لكنه يجب أن يكون مهنيًا، مستندًا إلى المعرفة، لا إلى التجييش والشحن.
إن كرة القدم لا تحتاج إلى مزيد من الصراخ، ولا إلى تضخيم الأخطاء، بل إلى منظومة واضحة تُعيد الثقة، وتحفظ هيبة التحكيم، وتُغلق أبواب الفوضى. لجنة تحكيمية عليا، بقرار سريع، وشفافية كاملة، ومحاسبة عادلة… قد تكون هي الخطوة الأهم لإعادة التوازن للمشهد الرياضي.
فالعدالة حين تتأخر تُشكَّك.
وحين تُحسم بوضوح تُنهي الجدل… وتُعيد للكرة جمالها.



