مقالات رأي

المواهب.. هل أختفت أم أُغلقت أبوابها؟

 

رغم التطور الكبير الذي تشهده كرة القدم على مستوى التنظيم والاستثمار والبنية التحتية، إلا أن سؤالًا جوهريًا ما زال يُطرح في الأوساط الرياضية: لماذا تراجعت المواهب وأين اختفى اللاعب الموهوب الذي يصنع الفارق؟ الواقع يشير إلى أن المواهب لم تختفي بل إن منظومة اكتشافها وصقلها لم تعد تعمل بالكفاءة المطلوبة. وفي مقدمة هذه المنظومة تأتي المدرسة إلى جانب عوامل اجتماعية وبيئية جديدة غيّرت شكل ممارسة اللعبة.

المدارس.. من مصنع للمواهب إلى دور ثانوي.

لطالما كانت المدارس الرافد الأول لكرة القدم فمن ساحاتها انطلقت أسماء كبيرة صنعت تاريخ اللعبة. حصص التربية البدنية ، البطولات المدرسية ، والمنافسات بين المدارس كانت تمثل منصة حقيقية لاكتشاف الموهوبين في سن مبكرة.
اليوم تراجع هذا الدور بشكل ملحوظ حيث تحوّل النشاط الرياضي في كثير من المدارس إلى ممارسة شكلية في ظل غياب البطولات المنتظمة وضعف برامج الاكتشاف وقلة تأهيل معلمي التربية البدنية فنيًا إضافة إلى تغليب الجانب الأكاديمي البحت على أي مسار رياضي يمكن أن يشكّل مستقبلًا مهنيًا للطالب.

ورغم الانتشار الواسع للأكاديميات الخاصة إلا أنها لم تنجح في سد الفجوة التي خلّفها غياب المدرسة وملاعب الحواري. فارتفاع التكاليف وانتقائية القبول واعتماد بعض الأكاديميات على الطابع الربحي جعل فرص الالتحاق بها محدودة ما أدى إلى إقصاء شريحة كبيرة من المواهب الكامنة قبل أن تحظى بفرصة الظهور.

إلى جانب ذلك، لعبت الوسائل الترفيهية الحديثة دورًا مؤثرًا في تراجع ممارسة كرة القدم اليومية. فقد أصبحت الألعاب الإلكترونية والهواتف الذكية ومنصات الترفيه الرقمي منافسًا مباشرًا للكرة، حيث استبدلت المساحات المفتوحة بالشاشات والحركة بالنشاط الافتراضي مما قلّل من الوقت المخصص للعب الحر الذي كان أساسًا لبناء المهارة والشخصية الكروية.

اختفاء ملاعب الحواري.. خسارة لا تُعوّض

يشكّل اختفاء ملاعب الحواري أحد أبرز أسباب تراجع المواهب. تلك الملاعب الترابية التي كانت منتشرة في المدن والبلدات وكانت تمثل مدرسة فطرية لصناعة اللاعب لم تعد حاضرة كما في السابق. فقد أزاحها التوسع العمراني أو أُهملت دون توفير بدائل مناسبة لتقتصر ممارسة كرة القدم اليوم على ملاعب مستأجرة مخصصة للتسلية تفتقر إلى الاستمرارية ولا تخدم بناء اللاعب على المدى الطويل.
غياب هذه الملاعب حرم اللاعبين الصغار من اللعب اليومي الحر الذي يصقل الإبداع ويعزز الجرأة ويصنع الفارق الفني. وحوّل كرة القدم من ممارسة شعبية مفتوحة إلى نشاط موسمي مرتبط بالقدرة المادية.

ومضة أخيرة :
المواهب لا تزال موجودة لكنها تبحث عمّن يراها. وبين مدارس غائبة عن دورها وأحياء فقدت ملاعبها ووسائل حديثة خطفت وقت الأطفال وأكاديميات تبحث عن الربح وكذلك اجهزة فنية غير مؤهلة للتأسيس تضيع أحلام كثيرة قبل أن تولد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com