وسط حصار العمران الحديث.. قهوة «النعام» في حائل تحافظ على تكوينها التراثي الأصيل

حائل – خلف العفنان
على الرغم من الحصار المحكم الذي فرضته المباني الحديثة من جميع الجهات الأربعة ، لا تزال قهوة الكريم فهد بن صالح النعام – رحمه الله – شامخة في موقعها بمدينة حائل ، مشرعة أبوابها للضيوف وزوار المنطقة ، محافظة على دورها الاجتماعي وهويتها التراثية الأصيلة.
وبقيت القهوة عامرة بالضيوف والزوار ، رغم ما اعترى بعض أجزائها من عوامل الهدم التي استدعتها ضرورة توسعة شارع النعام الملاصق لها من الجهة الغربية ، إلا أن المتأمل في موقعها الحالي ، القابع وسط حي مدني حديث ، يدرك بوضوح حرص ورثة أول من بناها على الإبقاء عليها بطرازها الحائلي القديم الذي اشتهرت به المنطقة في العقود الماضية.
وحول تاريخ القهوة ، أوضح أحد أعيان أسرة النعام الأستاذ سعود بن حمود النعام أن عمر القهوة يمتد إلى أربعة قرون مضت ، مشيرا إلى أنها ظلت حتى العهد الحاضر تؤدي دورها الاجتماعي في استقبال الضيوف ، وجمع الأقارب والأصدقاء ، حيث يتجاذب الحضور أطراف الحديث ويتسامرون على ضوء سنا نارها العامرة. وأضاف أن أعمال الترميم والبناء شملت القهوة في عام 1439هـ ، وذلك بعد توسعة الشارع المحاذي لها في سنوات سابقة ، مع المحافظة التامة على طرازها القديم حتى لا تفقد هويتها الحائلية الأصيلة القائمة على البناء بنمط «العروق».
وبيّن النعام أن ارتفاع القهوة يبلغ ثمانية أمتار ، بوجود ميلين من الأعمدة لإيجاد مساحة أكبر ، إضافة إلى تصميم «الوجار» على النظام القديم غير المعتمد على طريقة «الكمار» الحديثة ، تأكيدا على الالتزام بالأسلوب التراثي في البناء.
وعن مقتنيات القهوة ، أشار النعام إلى وجود «الفاتية» ، وهي صندوق قديم مصنوع من قطعة خشب ، يستعين به «المعزّب» في حفظ المواد الأساسية اللازمة لتحضير مشروب القهوة العربية ، مع مراعاة وجود «الفضاء» جمع «فضوة» وهي النوافذ في البناء الطيني القديم من الجهتين الشرقية والشمالية ، وهما الجهتان غير المقابلتين لمنشأ السحاب واتجاه هطول الأمطار ؛ حماية لساحة القهوة الداخلية من تسرب مياه الأمطار. كما تضم القهوة «السوّامة» ، وهي الفتحة الموجودة في سقف القهوة والمخصصة للتهوية وخروج دخان النار ، ويرتبط بها حبل متدلٍ يستخدمه «المعزّب» لفتحها أو إغلاقها عند الحاجة.
وأكد النعام أن «القهوة» وهي مقر الضيافة في مقدمة كل منزل تُعد جزءا أصيلا ومهما في النسيج الحائلي منذ قديم الزمان ، إذ تمثل المكان الذي يستقبل فيه الرجال ضيوفهم ويقدمون فيها واجب الضيافة لهم. وأوضح أن تطور مدينة حائل وتوسعة الشوارع والطرق أجبر العديد من الأسر على هدم بعض المباني الطينية القديمة ، أو طال التوسع أجزاء من تلك المباني الأثرية ، ما دفع بعض الأسر إلى بناء قهاوي حديثة على الطراز القديم ، واختيار مواقعها لتكون مطلة على شارع النعام ، ومن بينها قهوة الوجيه عبدالعزيز بن سليمان الفلاج النعام ، ومضافة أبناء الوجيه حمود السعود النعام.
وفي ختام حديثه ، بيّن النعام أن العم خالد بن فهد النعام يتولى الإشراف على القهوة ، بمشاركة إخوانه وأبنائه وأبناء إخوانه ، حيث تفتح أبوابها في أيام الأسبوع لاستقبال الضيوف وبعض الزوار القادمين من خارج المنطقة أو من خارج المملكة العربية السعودية ، موجها الدعوة للجميع لزيارة القهوة وتناول واجب الضيافة. كما قدّم شكره لصحيفة «الكأس» على زيارتها للقهوة ، معتبرا إياها زيارة مهمة ومحل تقدير.
يُذكر أن أسرة «النعام» من الأسر الحائلية العريقة ، وينحدر نسبها من الجعفر من عبدة من قبيلة شمر ، ويتصف رجالها بالسيرة العطرة ومكارم الأخلاق ، وقد أنجبت العديد من الرجال الأفذاذ الذين أسهموا في بناء التكوين المحلي الحائلي قديما وحديثًا. ومن أبرزهم الكريم حمد بن فهيد النعام ، صاحب المناخ المشهور وصاحب الأيادي البيضاء في سنين الجوع والفاقة ، حين نقض سور فلاحته ليتيح للمحتاجين دخولها والاعتياش من ثمارها. وفي جدهم الكريم عبدالعزيز بن عبدالله النعام ، الجد الجامع لأسرة النعام ، قال الشاعر خميس الرزيني:
يا راكبن عمليةٍ تالي الليل
كن الضرا في ساقة ينهشنه
ما شخلت بالدر حمرا من الحيل
وقم الرباع وجالس وقم سنه
لا جيت سمراء حايل والغلا ميل
إقلط ترى مالك بالأدنين لنه
دزه إلى دار النعامي سهف ليل
أبو فهيدٍ ريف ركبن نصنه
ومن رجال عائلة النعام المعدودين عضو هيئة النظر في محكمة حائل فهد الصالح النعام ، صاحب الرأي والمشورة والعارف بدهاليز مدينة حائل ، ومن أبنائه الذين خدموا الوطن اللواء المهندس ركن عبدالعزيز الفهد النعام – أمد الله بعمره على الطاعة – كما تضم العائلة اللواء البروفيسور ياسر بن عبدالعزيز بن فهد النعام ، إلى جانب كوكبة من أبنائها الذين لا يزالون يخدمون الوطن في شتى المستويات والأصعدة.



