مقالات رأي

التحكيم الأجنبي في دوري روشن: وهم الجودة العالمية وواقع الأخطاء الفادحة

 

في كل جولة من جولات دوري روشن، تتكرر نفس القصة المؤلمة: مباراة كبيرة، أجواء مشتعلة، وفجأة يظهر قرار تحكيمي يغير مجرى اللقاء، ويترك الجماهير واللاعبين والمدربين في حالة ذهول وغضب. والمفارقة أن هذه الأخطاء الفادحة لم تعد حكراً على الحكام المحليين فقط، بل أصبحت سمة ملازمة للحكام الأجانب الذين يُستقدمون بمبالغ طائلة لإدارة المباريات الحاسمة.

في الموسم الحالي، لم تكد تخلو مباراة كبيرة أو ديربي من جدل تحكيمي عنيف، حيث يتدخل قرار خاطئ في ركلة جزاء غير مستحقة، أو هدف يُلغى ظلماً، أو بطاقة حمراء لا مبرر لها، ليصبح النتيجة النهائية مشوهة. والأدهى أن هذه الأخطاء تتكرر مع الحكام الأجانب الذين كان يُفترض أنهم يجلبون معهم الاحترافية والدقة التي يفتقر إليها التحكيم المحلي. لكن الواقع يقول غير ذلك تماماً؛ فالإحصاءات والتحليلات التحكيمية تؤكد أن نسبة الأخطاء المؤثرة من الحكام الأجانب تفوق في كثير من الأحيان ما يرتكبه الحكام السعوديون، رغم أن عدد المباريات التي يديرها الأجانب أقل بكثير.

ما يثير الاستغراب أكثر هو أن غالبية هؤلاء الحكام لا ينتمون إلى النخبة العالمية أو حتى الأوروبية الرفيعة. يأتون من دوريات متوسطة المستوى، وفي بعض الحالات من فئات سنية أو دوريات أقل تنافسية، ومع ذلك تُفرض عليهم مباريات مصيرية في أحد أقوى الدوريات في آسيا. نتيجة لذلك، يتكرر السؤال الذي يتردد على كل لسان: لماذا نستمر في دفع مئات الآلاف من الريالات لكل طاقم أجنبي – تصل التكلفة إلى 450 ألف ريال للطاقم الكامل في مباراة واحدة – بينما الأداء لا يرتقي إلى هذا المبلغ، بل يزيد من الجدل والظلم؟

إن الاعتماد المفرط على الحكام الأجانب أصبح نوعاً من “الوهم التحكيمي”، حيث يُعتقد أن مجرد وجود صافرة أجنبية يكفي لضمان العدالة، بينما الواقع يثبت العكس. الحكم السعودي، رغم كل الانتقادات التي يتعرض لها، أظهر في العديد من المباريات استقراراً وثقة أكبر، خاصة عندما يُمنح الفرصة للقيادة دون ضغط الشك المسبق. فلماذا لا نعطي الحكم المحلي الثقة الكاملة، ونستثمر هذه المبالغ الضخمة في تطوير التحكيم السعودي بدلاً من استيراد حلول مؤقتة لا تحل المشكلة؟

آن الأوان لإعادة النظر في هذه السياسة. الدوري السعودي أصبح كبيراً بما يكفي ليُدار بكفاءات محلية، مع دعم حقيقي لتطوير الحكام السعوديين فنياً ونفسياً. فبدلاً من إنفاق ملايين على حكام أجانب لا يقدمون الإضافة المنشودة، يمكن توجيه هذه الأموال نحو برامج تدريب عالمية، وتحسين تقنية الفار، ورفع مستوى الثقة بالحكم المحلي.

دوري روشن يستحق تحكيماً يليق بمستواه، وهذا لن يأتي بالاستمرار في استيراد الأخطاء باهظة الثمن، بل بالعودة إلى الثقة بالكفاءات الوطنية التي أثبتت قدرتها مراراً.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com