اللعب المالي النظيف في السعودية بين طموح الاستثمار وضرورات الاستدامة المالية

لم يعد مفهوم اللعب المالي النظيف مجرد شعار تنظيمي أو إطار نظري مستورد من التجارب الأوروبية بل أصبح أداة حوكمة مالية تهدف إلى ضبط سلوك الإنفاق وحماية استدامة الأندية ومنع تضخم الفجوة بين الموارد والالتزامات ويعد النموذج الذي أقره الاتحاد الأوربي لكرة القدم تحت مسمى القواعد المالية للاستدامة أحد أبرز النماذج التي حاولت تحويل كرة القدم من ساحة إنفاق مفتوح إلى منظومة خاضعة لمعادلات محاسبية واضحة تقوم على مبدأ أن لا تنفق الأندية أكثر مما تجنيه خلال فترة تقييم محددة مع إلزامها بسداد التزاماتها في مواعيدها وتقديم قوائم مالية مدققة تخضع لرقابة مستقلة ولم يكن الهدف منع الاستثمار أو تقييد الطموح الرياضي بل تقليل المخاطر المرتبطة بالعجز المزمن والديون المتراكمة التي قد تهدد وجود النادي ذاته
التجربة الأوروبية كشفت أن التطبيق ليس عملية حسابية بسيطة بل معادلة معقدة تتداخل فيها اعتبارات المنافسة والعدالة والملكية إذ تعرض النظام لانتقادات تتعلق بترسيخ تفوق الأندية ذات القاعدة الإيرادية التاريخية ومنع الأندية الصاعدة من ضخ استثمارات كبيرة لتقليص الفجوة كما ظهرت إشكاليات تتعلق بعقود الرعاية المرتبطة بملّاك الأندية وتضخيم التقييمات التجارية لتجاوز القيود التنظيمية ما دفع الجهة المنظمة إلى تعديل الإطار من قاعدة عدم الخسارة إلى نموذج يحدد نسبة الإنفاق على الرواتب والانتقالات كنسبة من الإيرادات في محاولة للتركيز على استدامة التدفقات النقدية بدل الاكتفاء بقياس العجز الدفتري
عند نقل النقاش إلى البيئة الرياضية السعودية يصبح السؤال أكثر تعقيدًا لأن السياق الهيكلي مختلف فالسوق المحلي يمر بمرحلة تحول مؤسسي تتزامن مع مشروع الخصخصة القادم ودخول كيانات استثمارية كبرى وتغير في نماذج الملكية والإدارة وهو ما يجعل مفهوم الإنفاق من الإيراد بحاجة إلى تعريف أدق لمصادر الدعم وآليات تسجيله محاسبيًا كما أن الدوري يعيش مرحلة بناء وتعزيز صورة دولية من خلال استقطاب نجوم عالميين الأمر الذي يتطلب مرونة استثمارية في المدى القصير دون أن يتحول ذلك إلى التزام طويل الأجل يفوق القدرة التشغيلية مستقبلاً
تطبيق اللعب المالي النظيف في السعودية ممكن من الناحية النظامية لكنه لا يمكن أن يكون نسخة مطابقة للتجربة الأوروبية بل يحتاج إلى نموذج محلي يوازن بين متطلبات الاستثمار السريع ومتطلبات الاستدامة طويلة المدى ويستند إلى أربعة عناصر أساسية تتمثل في تحديد سقف إنفاق نسبي مرتبط بالإيرادات التشغيلية الفعلية ووضع رقابة صارمة على الالتزامات قصيرة الأجل وإلزام الأندية بإفصاح مالي دوري معلن بالأرقام وإنشاء جهة رقابية مستقلة ذات صلاحيات تنفيذية واضحة تضمن عدالة التطبيق وعدم انتقائيته لأن أي نظام يفقد حياده يفقد مشروعيته
المعادلة في جوهرها ليست صراعًا بين الاستثمار والانضباط بل اختبار لقدرة المنظومة على التحول من مرحلة الضخ إلى مرحلة الإدارة الرشيدة فالإنفاق الكبير قد يحقق تفوقًا سريعًا لكنه لا يصنع استدامة ما لم يكن مدعومًا بتدفقات إيرادية حقيقية وخطط تشغيلية واضحة وسجل مالي شفاف والفرق بين دوري جاذب مؤقتًا ومشروع رياضي مستدام طويل الأمد لا يقاس بعدد الصفقات أو قيمتها بل بقدرة النظام على الاستمرار دون أزمات مالية مفاجئة وبمدى ثقة المستثمرين والجمهور في أن العدالة المالية تطبق على الجميع وفق معايير معلنة لا تتغير بتغير النتائج أو الميول .



