منوعات

“الطعمة”.. عادة اجتماعية حائلية تتجاوز قرناً من الزمن وتواصل حضورها في رمضان والمناسبات

 

حائل: عثمان الشلاش

رغم تسارع وتيرة الحياة الحديثة وتباعد المسافات بين السكان، لا تزال منطقة حائل ومحافظاتها وقراها تحافظ على واحدة من أبرز عاداتها الاجتماعية المتوارثة، وهي “الطعمة”؛ التي يتجاوز عمرها مائة عام، وتستمر حتى اليوم بوصفها مظهراً أصيلاً من مظاهر التكافل وتعزيز أواصر الجوار.

وتقوم فكرة “الطعمة” على تبادل الطعام بين الجيران والأقارب، وإيصال جزء من الولائم إلى من تعذر حضوره لأي ظرف، بما يعكس روح المشاركة والحرص على إشراك الجميع في أفراح المناسبات وموائد الشهر الكريم.

وتتجلى “الطعمة” بصورة يومية خلال شهر رمضان المبارك، حيث يتم تبادلها قبيل أذان المغرب في مشهد اعتاد عليه أهالي المنطقة جيلاً بعد جيل دون انقطاع. وغالباً ما تحتوي سلة الطعمة على القهوة والتمر والبسيسة والشوربة والسمبوسك والماء واللبن، إضافة إلى “المريسة” (الإقط المنقوع)، فيما تقتصر في الولائم على الأرز واللحم ومكونات المائدة الرئيسة.

وتهدف هذه العادة إلى نشر الألفة والمحبة بين الجيران، وترسيخ قيم التراحم، مع استحضار البعد الديني المتمثل في كسب الأجر والثواب من خلال إطعام الطعام.

ومن محافظة بقعاء، أوضح سالم بن عبدالله الدغشوم الأسعدي العتيبي، صاحب ديوانية السالمية والمهتم بالموروث الاجتماعي، أن “الطعمة عادة قديمة تعبّر عن عمق التواصل بين الجيران والأقارب في الماضي، ولا تزال حاضرة حتى اليوم”.

وبيّن أن “الطعمة” كانت تُؤخذ من الأرز واللحم بعد انتهاء الرجال من الوليمة – سواء كانت غداء أو عشاء – وقبل أن تمتد إليها أيدي الأطفال، فيُخصص جزء منها للجيران، خصوصاً لمن لم يتمكن من الحضور تقديراً لظروفه. وأضاف أن العادة ما زالت مستمرة في رمضان، إذ يحرص بعض الأهالي على تخصيص جزء من مائدة الإفطار أو السحور لإرساله إلى الأقارب والجيران، مؤكداً أنها من العادات الطيبة المتعارف عليها بين أبناء الأحياء والقرى والمدن.

من جهته أشار خالد المطرود، صاحب متحف “لقيت للماضي أثر” والمهتم بالموروث الاجتماعي في حائل، إلى أن “الطعمة” لا تزال منتشرة في المنطقة، حيث يوضع الطعام في “ميقعة” من الغضار، وتحتوي غالباً على الأرز واللحم و**“الشلوق”** عند وجود “كرمة” (عزيمة)، ويتم تخصيص جزء منها للجيران، خاصة لمن يتعذر عليهم الحضور.

بدوره استعاد خلف التميمي ملامح “الطعمة” قديماً، مؤكداً أنها كانت جزءاً أصيلاً من ثقافة الكرم التي عُرف بها أهالي حائل وقراها، وتوارثتها الأجيال جيلاً بعد جيل. وقال إن “الطعمة” لم تكن مجرد تصرف عابر، بل سلوكاً اجتماعياً متجذراً يعكس روح التكافل والمحبة بين الناس.

وأوضح أن “الطعمة” في مدينة حائل كانت تُمارس على مستوى الحي، بل تمتد إلى الأقارب والمحتاجين من خارج الحي، فيما تشمل في القرى القرية بأكملها وكأن الجميع أسرة واحدة. فعند إقامة وليمة يُعزل جزء من الطعام بعناية ويُقسم في حافظات خاصة لتوزيعه على الجيران، مع الحرص على أن يكون من طعام طازج لم يُتناول منه.

وأضاف أن “الطعمة” كانت وسيلة لإشراك من حالت ظروفهم دون الحضور – كالمريض أو كبير السن أو من تعوقه مسؤولياته – في فرحة المناسبة، وكأنهم شاركوا فيها حضوراً. وأشار إلى استمرار هذه العادة في بلدتي السبعان وبدائع السبعان، مؤكداً أنها لا تزال حاضرة في غالب النسيج الاجتماعي الحائلي.

وسُمّيت “الطعمة” اشتقاقاً من الإطعام، حيث يُطعم صاحب المناسبة جيرانه وأقاربه مما أعدّه في بيته. ويؤكد المهتمون بالموروث أن للطّعمة مذاقاً خاصاً، خصوصاً في الأزمنة الماضية حين كان اللحم نادراً ولا يُقدَّم – في الغالب – إلا في المناسبات، فكانت تحمل في طياتها نكهة الكرم وفرحة المشاركة قبل أن تكون مجرد طعام.

وتبقى “الطعمة” شاهداً حياً على ترابط المجتمع في حائل، ونموذجاً لقيم اجتماعية أصيلة أثبتت قدرتها على الصمود أمام تحولات الزمن، محافظة على حضورها بوصفها عنواناً للكرم والتكافل وحق الجوار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com