تناقضات الفراج

يبدو أن بعض الأصوات في الإعلام الرياضي لم تعد تخفي مواقفها بقدر ما أصبحت تكشفها بوضوح مع كل حدث جديد.
ولعل ما يطرحه الإعلامي وليد الفراج في الفترة الأخيرة يقدم نموذجاً واضحاً للتناقض في التعاطي مع القضايا الرياضية، وهو تناقض لم يعد خافياً على المتابع البسيط قبل المتخصص.
ففي إحدى الحوادث السابقة، شن الفراج هجوماً حاداً على قضية تصوير الجوال في لقطة تخص النجم البرتغالي كريستيانو رونالدو لاعب نادي النصر، واعتبر أن ما حدث تجاوز يستحق الوقوف عنده، بل وصل الأمر إلى المطالبة بإيقاف اللاعب واتخاذ إجراءات صارمة بحقه.
حينها كان الخطاب الإعلامي شديد اللهجة، مملوءاً بالتأكيدات على ضرورة حماية القوانين والانضباط، وأن العدالة يجب أن تُطبق على الجميع دون استثناء.
لكن المفارقة تظهر عندما تتكرر مواقف مشابهة مع أطراف أخرى، فنجد أن النبرة ذاتها تختفي فجأة، ويتحول الخطاب من المطالبة بالعقوبات إلى السخرية من وسائل التوثيق نفسها. ففي حادثة أخرى مرتبطة باللاعب إيفان توني، لم يكن التركيز على الفعل ذاته بقدر ما كان موجهاً للسخرية من كاميرات الناقل التي وثّقت الواقعة، وكأن المشكلة أصبحت في الكاميرا لا في السلوك الذي تم توثيقه.
هذا التباين في الطرح يطرح سؤالاً مهماً
هل معيار الحكم على الأحداث هو الفعل نفسه أم هوية النادي واللاعب؟
عندما تختلف المواقف بهذا الشكل الواضح، فإن الرسالة التي تصل للجمهور هي أن بعض الطروحات الإعلامية لا تبحث عن ترسيخ العدالة بقدر ما تسعى إلى توجيه الرأي العام وفق ميول محددة.
الجمهور الرياضي اليوم أكثر وعياً مما كان عليه في السابق، ولم يعد من السهل تمرير الخطابات المتناقضة أو تغيير المعايير من حالة إلى أخرى. المتابع يستطيع أن يقارن ويسترجع المواقف بسهولة، ويرى بوضوح متى يكون الحديث عن العدالة والانضباط، ومتى يتحول الخطاب إلى تبرير أو تقليل من شأن الحوادث.
والأخطر من ذلك أن مثل هذه الطروحات لا تتوقف عند حدود النقد الرياضي، بل تمتد آثارها إلى الشارع الرياضي بأكمله. فعندما يشعر جمهور أي نادٍ بأن هناك استهدافاً متكرراً لناديه أو تساهلاً مع منافسيه، فإن ذلك يفتح باباً واسعاً للتعصب والاحتقان، وهو ما يتناقض تماماً مع الدور المفترض للإعلام الرياضي.
الإعلام الحقيقي يفترض أن يكون مساحة للتوازن والطرح الموضوعي، وأن يسهم في تهدئة الأجواء لا إشعالها. فالمهنة الإعلامية ليست مجرد منصة لإبداء الميول الشخصية، بل مسؤولية تتطلب العدالة والاتساق في المواقف، خصوصاً في بيئة رياضية حساسة تعيش حالة تنافس محتدمة بين الأندية الكبرى.
وما يحدث اليوم يضعنا أمام تساؤل مشروع: إلى متى يستمر هذا النهج دون مراجعة؟ فالمشهد الرياضي السعودي يعيش مرحلة تطور كبيرة، ومع هذا التطور يجب أن يتطور الخطاب الإعلامي أيضاً، ليكون أكثر نضجاً واتزاناً، بعيداً عن الانتقائية والتناقض في المواقف.
في النهاية، يبقى الجمهور هو الحكم الحقيقي على مصداقية أي إعلامي.
فالتاريخ الإعلامي لا يُبنى بالجدل ولا بإثارة الضجيج، بل بالثبات على المبادئ والعدالة في الطرح.
وعندما تختل هذه المعايير، يصبح الإعلامي نفسه جزءاً من المشكلة بدلاً من أن يكون جزءاً من الحل.



