مقالات رأي

الرياضة النسوية العربية بين إنجاز وإهمال

 

لم نعد نبالغ حين نقول إن المرأة أصبحت شريكاً أساسياً للرجل في صناعة الحياة المعاصرة، فالجنس الناعم لم يعد مجرد عنصر مكمل في المجتمع، بل ركيزة حقيقية تسهم في بنائه وتقدمه. هذا الحضور يتجلى بوضوح في مختلف ميادين الحياة العامة، غير أن الصورة تبدو مختلفة إلى حدٍ ما عندما ننتقل إلى الميدان الرياضي.
فالمرأة العربية، رغم امتلاكها الموهبة والقدرة، ما زالت بعيدة نسبياً عن منصات التتويج العالمية، إلا في حالات استثنائية صنعتها إرادة فردية أكثر مما صنعتها منظومات رياضية متكاملة. وتعود أسباب ذلك إلى مجموعة من العوامل، لعل أبرزها العادات والتقاليد الاجتماعية، وطبيعة البيئة المحافظة في بعض المجتمعات، فضلاً عن ضعف الاهتمام المؤسسي بالرياضة النسوية داخل كثير من الاتحادات والهيئات الرياضية العربية.
ورغم هذه التحديات، فإن التاريخ الرياضي العربي لم يخلُ من أسماء نسائية سطّرت إنجازات خالدة في الذاكرة الأولمبية. ففي صيف عام 1984، رفعت البطلة المغربية نوال المتوكل راية العرب عالياً عندما توجت بذهبية سباق 400 متر حواجز في الألعاب الأولمبية الصيفية 1984 بمدينة لوس أنجلوس، لتصبح أول امرأة عربية وأفريقية تحرز ذهبية أولمبية، فاتحة بذلك باب الأمل أمام أجيال كاملة من الرياضيات العربيات.
وبعد سنوات، جاءت العداءة التونسية حبيبة الغريبي لتؤكد أن الحلم العربي ما زال قادراً على الحياة، عندما أحرزت ذهبية 3000 متر موانع في الألعاب الأولمبية الصيفية 2012، في إنجاز أعاد للذاكرة لحظات الفخر العربي على المضمار.
أما السورية غادة شعاع فقد كتبت اسمها بحروف من ذهب عندما أحرزت ذهبية السباعي في الألعاب الأولمبية الصيفية 1996 بمدينة أتلانتا، في إنجاز ظل لسنوات طويلة أحد أبرز الشواهد على قدرة المرأة العربية على منافسة نخبة العالم.
وعلى مستوى بطولات العالم، برز اسم العداءة البحرينية مريم يوسف جمال التي أحرزت ذهبية 1500 متر في بطولة العالم لألعاب القوى 2009، لتضيف صفحة مشرقة أخرى إلى سجل الرياضة النسوية العربية.
غير أن هذه الإنجازات، على أهميتها وقيمتها الرمزية، تبقى محدودة إذا ما قورنت بحجم العالم العربي وإمكاناته البشرية. فهي إنجازات متفرقة تشبه الومضات في ليل طويل، أكثر مما تمثل مشروعاً رياضياً عربياً متكاملاً.
ومن هنا يبرز السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: هل ستظل الرياضة النسوية العربية أسيرة المبادرات الفردية والإنجازات المعزولة؟ أم أن المرحلة المقبلة ستشهد نهضة حقيقية تعيد رسم ملامح حضور المرأة العربية في الساحات الرياضية العالمية؟
إن الإجابة عن هذا السؤال لا تقف عند حدود الطموح، بل ترتبط بإرادة المؤسسات الرياضية العربية، وقدرتها على الاستثمار في المواهب النسوية، وتوفير البيئة التي تتيح للبطلات العربيات السير بثقة نحو منصات التتويج.
فالموهبة موجودة، والطموح حاضر، وما ينقص هو الرؤية التي تحول الحلم إلى إنجاز.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com