بين الدوري القوي والمنتخب القوي… أين يكمن الخلل؟

اشتعل الشارع الرياضي في السعودية في الأيام الأخيرة بعد النتائج المخيبة في المباريات الودية الأخيرة حين خسر المنتخب الأول أمام منتخب مصر بأربعة أهداف وتلقى المنتخب الرديف خسارة أخرى أمام منتخب السودان. هذه النتائج لم تكن مجرد أرقام في سجل المباريات بل فتحت بابًا واسعًا من التساؤلات والانتقادات حول واقع المنتخب السعودي وحول ما إذا كان الخلل فنيًا يتعلق بالمدرب أم إداريًا في منظومة العمل أم أنه انعكاس مباشر لنظام الدوري وعدد اللاعبين الأجانب وتأثيرهم على فرص اللاعب المحلي.
في العادة المباريات الودية تُعد فرصة للتجربة واكتشاف العناصر لكن حين تأتي النتائج بهذا الشكل فإنها تكشف شيئًا أعمق من مجرد خسارة عابرة. فالمتابعون يرون أن المنتخب يعاني من غياب الهوية الفنية الواضحة إضافة إلى عدم الاستقرار في التشكيلة أو أسلوب اللعب. المدرب يتحمل جزءًا من المسؤولية بلا شك لأن مهمته الأساسية هي بناء فريق متماسك قادر على المنافسة، لكن تحميله كامل اللوم قد يكون تبسيطًا لمشكلة أكبر.
الحديث اليوم يتجه كثيرًا نحو تأثير الدوري المحلي. فالدوري السعودي أصبح من أقوى الدوريات في المنطقة بل ومن الأكثر جذبًا للنجوم عالميًا وهذا أمر إيجابي على مستوى التسويق والتنافسية. لكن في المقابل يرى بعض النقاد أن زيادة عدد اللاعبين الأجانب قد تقلص فرص اللاعب المحلي في مراكز معينة ما ينعكس على جاهزية المنتخب خصوصًا في المراكز الحساسة التي تحتاج إلى خبرة وتراكم دقائق لعب.
من جهة أخرى هناك رأي مختلف يقول إن المشكلة ليست في وجود اللاعبين الأجانب بل في طريقة إعداد اللاعب السعودي منذ الفئات السنية. فالمنتخب القوي لا يُبنى خلال معسكر أو بطولة بل يبدأ من الأكاديميات ومن جودة المنافسات في المراحل العمرية ومن منح اللاعب الشاب الثقة والفرصة الحقيقية للظهور والتطور.
كما أن الجانب الإداري لا يمكن تجاهله. الاستقرار في القرارات الرياضية وضوح المشروع الفني للمنتخبات والتنسيق بين الاتحاد والأندية كلها عوامل تصنع الفارق. فبعض المنتخبات العالمية نجحت في الجمع بين دوري قوي ومنتخب قوي في الوقت ذاته لأن هناك رؤية واضحة توازن بين مصلحة الأندية ومصلحة المنتخب.
السؤال الذي يتكرر اليوم هل المطلوب دوري قوي أم منتخب قوي؟ الحقيقة أن الخيار ليس بين هذا وذاك بل في القدرة على الجمع بين الاثنين. فالدوري القوي يمكن أن يكون رافدًا حقيقيًا للمنتخب إذا أُديرت المنظومة بشكل صحيح وإذا وُجدت سياسات تدعم مشاركة اللاعب المحلي وتطوره دون الإضرار بجودة المنافسة.
المرحلة الحالية تحتاج إلى وقفة صادقة بعيدًا عن ردود الفعل العاطفية. النقد مهم لكن الأهم هو تحويل هذا الغضب الجماهيري إلى فرصة للمراجعة والتصحيح. فالجماهير لا تغضب من خسارة مباراة بقدر ما تغضب حين تشعر أن الطريق غير واضح.
ومضة أخيرة :
المنتخب السعودي يملك تاريخًا وإمكانات كبيرة وما يحدث اليوم قد يكون جرس إنذار أكثر منه أزمة مستعصية. المطلوب مشروع واضح يعيد التوازن بين قوة الدوري وبناء منتخب قادر على المنافسة القارية والعالمية. فالنجاح الحقيقي ليس أن نفوز في مباراة ودية بل أن نعيد الثقة للجماهير ونصنع منتخبًا يعرف طريقه جيدًا… قبل أن يفوت الأوان.


