“مناجم يلو” المهجورة.. هل تضل مواهبنا الطريق في غياب الرصد وضعف الأكاديميات؟

بينما تنفق الأندية الملايين لاستقطاب الأسماء الرنانة في دوري “روشن”، وتتجه بوصلة الإعلام نحو القمة، يظل العمل في قاعدة الهرم الكروي بالمملكة يغلي بمواهب فطرية تنتظر من يرعاها إن الحديث عن دعم المنتخب السعودي بمواهب شابة لا يمكن أن يكتمل دون النظر إلى “دوري يلو” وأندية الدرجة الأولى والثانية، تلك المناطق التي يبدو أنها سقطت من حسابات الكشافين وخطط الأكاديميات الكبرى التي ضجيجها أكثر من نتاجها، فلا يحتاج المنتخب السعودي إلى لاعبين “مدللين” بقدر حاجته إلى مقاتلين صُقلوا في بيئة تنافسية صعبة، حيث يمثل دوري “يلو” والدرجة الأولى المختبر الحقيقي لصناعة اللاعب الصبور والمتحمل للضغوط البدنية والجماهيرية؛ فالفرق هناك تلعب من أجل “البقاء” أو “الصعود”، وهو ما يمنح الموهبة الشابة فرصة اللعب بجدية لا تتوفر دائماً في دوريات الفئات السنية أو على مقاعد بدلاء دوري المحترفين.
وعند الحديث عن “صناعة الموهبة”، لا يمكن القفز فوق التساؤلات العريضة التي تحيط بأكاديمية “مهد” فبالرغم من الدعم الهائل والتوقعات التي صاحبت انطلاقتها كـ “مشروع وطني” يهدف لاكتشاف وتطوير المواهب، إلا أن الواقع الميداني لا يزال يشير إلى فجوة عميقة، حيث لم نلمس لها دوراً ملموساً في ضخ دماء جديدة للأندية أو المنتخبات من ملاعب الظل، ولا تزال مخرجاتها غائبة عن المشهد الرياضي المهني يطرح هذا الواقع تساؤلاً مشروعاً حول ما إذا كانت “مهد” قد تحولت إلى مشروع بيروقراطي أكثر منه فنياً، خاصة وأن الاكتفاء بالتدريبات الروتينية دون النزول إلى الميدان وتبني مواهب الدرجات الأقل يعني بقاء الأكاديمية في معزل عن الاحتياج الفعلي للمنتخب.
إن المشكلة لا تكمن فقط في الأكاديميات، بل في غياب منظومة “الكشافين” الذين يمتلكون العين الخبيرة والقدرة على السفر للمناطق البعيدة، فالموهبة في الدرجة الأولى لا تحتاج لمدرب يلقنها التكتيك فحسب، بل لكشاف “يتبناها” ويضعها على طريق الاحتراف الحقيقي لذا، فإن دعم المنتخب الوطني بمواهب شابة قادرة على المنافسة عالمياً يتطلب تحويل الكشافة إلى مهنة رسمية تعتمد على تقارير فنية دورية، وإعادة تقييم عمل الأكاديميات لتقاس نجاحاتها بعدد اللاعبين الذين يتم تصعيدهم فعلياً.
وعند نضج هذا المشروع واكتمال إعداد الموهبة فنياً وبدنياً، تأتي النقطة الجوهرية التي تمثل حجر الزاوية في نجاح أي منظومة وطنية، وهي “عدالة الاختيار” إذ يجب أن يكون الانضمام لتمثيل الوطن قائماً على الحياد التام والكفاءة الفنية الصرفة، بعيداً عن أي مجاملات أو حسابات ضيقة إن إغلاق الأبواب أمام “الواسطة” والمحسوبية في اختيار عناصر المنتخب هو الضمان الوحيد لبروز تلك المواهب المكتشفة، فالموهبة الكفؤ هي التي تفرض نفسها بالعطاء داخل المستطيل الأخضر، وهي وحدها الجديرة بحمل شعار “الأخضر” في المحافل الدولية بكل استحقاق ونزاهة.
وفي الختام، تبقى المملكة ولادة، والملاعب في مختلف المناطق تضج بأسماء واعدة، لكن الفرق يكمن في “العين” التي تبحث، واليد التي تبني، والعدالة التي تختار؛ فإذا استمر الاعتماد على الأسماء الجاهزة وتجاهل المنجم الحقيقي في دوري يلو، واستمر صمت الأكاديميات عن دورها المفترض مع غياب معايير الاختيار النزيهة، فإن ضريبة ذلك ستكون غالية على مستقبل منتخبنا الوطني.



