محمد لاشين يكتب:”مصر وكوت ديفوار .. مواجهة الكبار ومنطق التفاصيل”

لم تكن مواجهة مصر وكوت ديفوار الأخيرة مجرد مباراة عابرة في روزنامة الكرة الإفريقية، بل جاءت بوصفها اختبارًا حقيقيًا لقيمة التفاصيل الصغيرة، وقدرة المنتخبات الكبرى على إدارة اللحظات المعقّدة تحت الضغط.
منذ صافرة البداية، اتسم اللقاء بإيقاع تنافسي مرتفع، يعكس ثقل المنتخبين وتاريخهما في القارة، المنتخب الإيفواري( بطل النسخة الماضية)، دخل المواجهة معتمدًا على القوة البدنية، والسرعة في التحولات، والضغط المبكر، بينما راهن المنتخب المصري على التنظيم الدفاعي، والانتشار المتوازن، واللعب بعقلية الصبر لا المجازفة.
على المستوى التكتيكي، أظهر المنتخب المصري انضباطًا واضحًا في الخطوط، ونجح في تقليص المساحات أمام مفاتيح لعب كوت ديفوار، خاصة في العمق، ما أجبر المنافس على اللجوء للأطراف والكرات العرضية. كما بدا وسط الملعب المصري أكثر وعيًا في فترات طويلة، سواء في قطع الكرات أو في إعادة بناء الهجمة بهدوء.
في المقابل، امتلك المنتخب الإيفواري حلولًا بدنية وفردية منحته أفضلية نسبية في بعض الالتحامات، وفرض إيقاعه في لحظات التحول السريع، وهو ما جعل المباراة مفتوحة على احتمالات متعددة حتى دقائقها الأخيرة.الأهم في أداء مصر لم يكن فقط الجانب الخططي، بل الشخصية الذهنية التي ظهر بها اللاعبون. تعاملوا مع مجريات اللقاء بثبات، ولم يفقدوا تركيزهم أمام ضغط المنافس أو تغير نسق اللعب. هذه السمة تُعد مؤشرًا إيجابيًا على تطور الوعي الجماعي داخل الفريق، وهي قاعدة لا غنى عنها في البطولات الكبرى.
ولا يمكن تناول اللقاء دون الإشارة إلى أن كوت ديفوار أكدت مرة أخرى مكانتها كمنتخب يعرف كيف ينافس في المباريات الثقيلة، ويستثمر إمكاناته بأقصى درجة ممكنة، ولكنه لا يزال يعاني أمام منتخب الفراعنة، التهنئة هنا تأتي في إطار الروح الرياضية واحترام المنافس، لا على حساب التقليل من قيمة ما قدمه المنتخب المصري.
تُعد هذه المواجهة محطة تقييم مهمة للمنتخب المصري، ليس بمنطق النتائج وحدها، بل من زاوية البناء، وتراكم الخبرات، واختبار الحلول الفنية تحت ضغط حقيقي.
كرة القدم الحديثة لا تعترف بالأسماء بقدر ما تكافئ المشاريع الواضحة والاستقرار الفني، وهو ما يفرض قراءة هادئة ومسؤولة لما تحقق وما يحتاج إلى تطوير.خرجت المباراة كعنوان لصراع كروي ناضج، بين منتخبين كبيرين، أكدا أن المنافسة الإفريقية لم تعد تُحسم بالفوارق التاريخية، بل بالتفاصيل الدقيقة، والجاهزية الذهنية، والقدرة على إدارة اللحظة.
أخيرا.. مصر أكدت حضورها، وكوت ديفوار أثبتت قوتها، والكرة الإفريقية كانت الرابح الأكبر.



