جمهورية كرة القدم انتصرت

نعم، انتصرت… وبلا استئذان.
انتصرت لأنها لم تنتظر قرارًا سياسيًا، ولم تخضع لخطابٍ أيديولوجي، ولم تنحَز إلا للموهبة والعرق والصدق داخل المستطيل الأخضر. كرة القدم لم تعد لعبة تُلعب بتسعين دقيقة، بل أصبحت كيانًا عابرًا للحدود، جمهوريةً قائمة بذاتها، لها دستورها وشعوبها وأبطالها ورموزها.
في زمن الانقسامات الحادة، حيث تتشظّى المجتمعات على أسس العِرق والدين والسياسة، جاءت كرة القدم لتفعل ما عجزت عنه المؤتمرات والمواثيق: توحّد الناس. لا تسأل المشجع عن لونه أو لغته أو معتقده، فقط اسأله: من تُشجّع؟ هنا تبدأ الحكاية، وهنا تسقط كل الحواجز.
كرة القدم هزمت السياسة في ملعبها. فكم رئيس حكومة يمر دون أن يُحفظ اسمه؟ وكم مسؤول يُنسى مع أول تغيير؟ بينما يبقى كريستيانو رونالدو عنوانًا للبرتغال، ويبقى ميسي هويةً للأرجنتين، ويبقى بيليه ومارادونا أكبر من أي منصب وأطول عمرًا من أي خطاب.
هذه اللعبة ليست عفوية كما يظن البعض؛ إنها علم إدارة، وصناعة اقتصادية، وقوة ناعمة، وسلاح تسويقي فتاك. من يحسن استثمارها، يملك التأثير، ومن يُهملها، يخرج من سباق العصر. لم تعد كرة القدم هواية شعوب، بل مشروع دول، وواجهة حضارية، ومرآة تعكس مستوى التنظيم والتخطيط والرؤية.
ولهذا نرى دولًا تبني سمعتها من ملاعبها، وتصدّر صورتها عبر نجومها، وتكسب احترام العالم بأقدام لاعبيها قبل بيانات وزاراتها. فالعالم اليوم لا يستمع كثيرًا للخطابات، لكنه يُصغي جيدًا للأهداف الجميلة والانتصارات الكبيرة.
جمهورية كرة القدم انتصرت لأنها صادقة، ولأنها الأقرب للناس، ولأنها تخاطب القلب قبل العقل. انتصرت لأنها منحت الشعوب لحظة فرح نقي في عالمٍ مثقل بالأوجاع. هي الجمهورية الوحيدة التي لا تحتاج إلى تأشيرة دخول، ولا تعترف بالحدود، ولا ترفع إلا راية الشغف.
ومن لا يفهم اليوم أن كرة القدم قوة، وثقافة، وهوية، وتأثير عالمي، فسيبقى على الهامش يراقب الآخرين وهم يكتبون التاريخ… هدفًا بعد هدف.



