فكرة مجنونة تمامًا، لكن في بعض الأحيان يكون الجنون هو الطريق الوحيد لصنع شيء استثنائي

تخيّل معي: دوري روشن يستمر في نموه وتألقه، لكن في الخلفية يحدث شيء مختلف تمامًا، شيء يبدو وكأنه خارج قواعد اللعبة. بدلًا من الاكتفاء بتطوير الأكاديميات والمنتخبات السنية بالطريقة التقليدية، نذهب خطوة أبعد… خطوة تبدو غريبة، بل ومستفزة للبعض، لكنها قد تكون الأذكى على الإطلاق قبل استضافة كأس العالم 2034.
الخطة ببساطة: نصعد فريقًا إضافيًا واحدًا من دوري يلو إلى دوري روشن في الموسم القادم، ليصبح العدد 19 ناديًا مؤقتًا. ثم – وهنا يبدأ الجزء الجريء – نؤسس ناديًا جديدًا كليًا، ناديًا وطنيًا خاصًا بالجيل القادم. هذا النادي لن يضم إلا أبرز المواهب السعودية في الفئة العمرية 17 إلى 19 سنة لحظة التأسيس. أي اللاعبون المولودون تقريبًا بين 2007 و2009 (في 2026)، الذين سيكونون في عمر 25–27 سنة تقريبًا وقت انطلاق المونديال على أرضنا.
يُدمج هذا الفريق مباشرة في الدوري الممتاز، فيصبح العدد 20 ناديًا. والأهم: لا هبوط أبدًا. مهما كانت النتائج، مهما كانت الخسارات، مهما تعرض الفريق لسلسلة هزائم تاريخية… يبقى في الدوري حتى نهاية موسم 2033/2034. حماية كاملة، لأن الغاية ليست الفوز بالدوري، بل بناء جيل متجانس يلعب مع بعضه أسبوعًا بعد أسبوع.
ومن اليوم الأول، نعيّن مدرب المنتخب الأول الذي سنختاره لكأس العالم 2034. هو نفسه من يشرف على هذا الفريق، يختار اللاعبين، يزرع أسلوبه، يحدد فلسفته التكتيكية، يبني الروح الجماعية، يتابع كل تطور خطوة بخطوة على مدار ثماني سنوات كاملة. لا تغيير مدربين، لا تجارب، لا انقطاع. مدرب واحد، رؤية واحدة، جيل واحد.
والشرط الأذكى: إذا جاء عرض احتراف من أي نادٍ سعودي كبير – هلال، نصر، اتحاد، أهلي… – فيُسمح بالانتقال، لكن بشرط صارم: يجب أن يلعب اللاعب نسبة أساسية عالية جدًا، مثل 80% من دقائق المباريات كأساسي، أو على الأقل أن يكون أساسيًا في 75–80% من مباريات فريقه الجديد. لا مجال لأن يصبح “لاعب كأس” أو احتياطيًا يجلس على الدكة في النادي الكبير. الغرض: ضمان استمرار اللاعب في اللعب المكثف، في الضغط العالي، في مواجهة المنافسة الحقيقية أسبوعيًا.
هذه الفكرة تبدو مجنونة لأنها تكسر قواعد المنافسة الطبيعية. فريق لا يهبط؟ نادٍ ممول ومحمي لأجل هدف وطني؟ تدخل مباشر في سوق الانتقالات المحلية؟ كلها أمور تثير الجدل، وربما تغضب بعض الأندية، وربما تُنتقد دوليًا بأن الدوري “غير نزيه”. لكن دعنا نكون صريحين: الدول التي صنعت أجيالاً ذهبية لم تفعل ذلك بالصدفة، ولم تعتمد فقط على “اتركوهم يتطورون طبيعيًا”.
إسبانيا بنت لاماسيا ثم أعطتها دوريًا تنافسيًا عاليًا. ألمانيا أعادت هيكلة الأكاديميات بعد 2000 بقوة مالية وتنظيمية هائلة. فرنسا تجمع أفضل المواهب في أندية مركزية قوية. نحن – مع كل الإمكانيات المالية والتنظيمية والحماس الوطني – لم نصل بعد إلى هذا المستوى من التماسك في جيل واحد.
اليوم، أفضل مواهبنا الشابة (مواليد 2008–2011) متناثرون في أندية مختلفة، يلعبون أساليب مختلفة، تحت مدربين مختلفين، وكثير منهم لا يحصل على دقائق كافية. لو جمعناهم في فريق واحد يلعب 34 مباراة دوري + كأس الملك + مباريات ودية دولية + كأس السوبر… مئات المباريات الرسمية تحت إشراف مدرب واحد، أمام جمهور، تحت ضغط النتائج، في دوري قوي… هذا هو الطريق الذي يصنع التماسك الحقيقي.
بحلول 2034، سيكون معظم هؤلاء اللاعبين في عمر 24–27 سنة: القمة البدنية والفنية، وقد لعبوا معًا مئات المباريات، يعرفون بعضهم كأصابع اليد، يفهمون نظرات بعضهم بدون كلام. هذا النوع من الانسجام لا يُشترى، ولا يُدرَّس في معسكرات قصيرة. يُبنى بالوقت والمباريات والاستمرارية.
نعم، الفكرة مجنونة.
لكن في بلد يستضيف كأس عالم بـ48 منتخبًا لأول مرة في تاريخه، ويريد أن يترك إرثًا كرويًا يتجاوز مجرد ملاعب رائعة وتنظيم مذهل… ربما الجنون هو الخيار الوحيد الذي يستحق التجربة.
في النهاية، التاريخ لا يكتبه المنطقيون دائمًا… بل أحيانًا الذين تجرأوا على فعل اللامعقول لأجل حلم كبير.



