علي آل محسن.. حنجرة ذهبية عابرة للحدود

في أدبيات الإعلام الرياضي يُعتبر المعلق هو “الشريك الاستراتيجي” في صناعة المتعة فهو الذي يملك صلاحية تحويل مباراة باهتة ورتيبة إلى ملحمة كروية تشتعل فيها الحماسة بمجرد نبرة صوت أو جملة رشيقة. المعلق الحقيقي ليس مجرد “راديو” ينقل حركة الكرة بل هو فنان يملك أدواته الخاصة سرعة بديهة وأداء متزن وصوت محبب يألفه المشاهد ويستأنس به وسط ضجيج الملاعب.
إن ما يعيب الكثير من المعلقين اليوم هو الوقوع في فخ “التشريق والتغريب” حيث ينفصل المعلق عن واقع المباراة ليغرق في قصص جانبية وتفاصيل لا تخدم المشهد مما يشتت المشاهد ويفقده لذة المتابعة. لكن حينما نضع المجهر على تجربة المعلق المبدع علي آل محسن نجد أننا أمام مدرسة “السهل الممتنع” فهو الحاضر دائماً في قلب الحدث يراقب التفاصيل الصغيرة ويضعك في جو اللقاء بصوته “الآسر” وأسلوبه الجاذب الذي أصبح علامة مسجلة في أذهان المحبين.
لا يعتمد آل محسن على جمال حنجرته فحسب بل هو نموذج للمهني الذي يحترم عقل المشاهد فخلف كل مباراة يعلق عليها ساعات من التحضير الجيد والاستعداد المسبق. هو لا يأتي للميكروفون فارغ اليدين بل يحمل معه مخزوناً وافراً من المعلومات الوافية عن تاريخ اللاعبين وتكتيك المدربين وإحصائيات الفرق فيقدمها للمشاهد في قالب معرفي ممتع لا يطغى على إثارة اللعب.
واللافت في مسيرة هذا المبدع أن إبداعه لم يُحصر في زاوية “المستطيل الأخضر” فقط إذ أثبت أنه “جوكر” التعليق الرياضي بامتياز. فحينما يُوكل إليه التعليق على الألعاب المختلفة تجده يبحر في قوانينها وتفاصيلها وكأنه ابن هذه اللعبة منذ سنوات. هذا التنوع والقدرة على التكيف يعكسان ثقافة رياضية واسعة وشغفاً حقيقياً بمهنة التعليق لا مجرد وظيفة يؤديها خلف الميكروفون.
ورغم هذا العطاء المتدفق يظل التساؤل المرّ يطرح نفسه لماذا يغيب هذا المبدع عن شاشات دورينا المحلي؟ في الوقت الذي فطن فيه الأشقاء في الخليج لهذه الموهبة الفذة فاحتضنته قنوات الكويت والبحرين وقطر وأعطته المساحة التي يستحقها ليصدح بصوته في الدوري الكويتي وغيره من المحافل. وانصفته حينما غابت عنه شمس الإنصاف محلياً ليثبت آل محسن أن المبدع الحقيقي كالماء يجد طريقه دائماً نحو النجاح مهما كانت العوائق.
ومضة أخيرة:
إن الرسالة التي يجب أن تصل للقائمين على قنواتنا الرياضية هي أن الجمهور لم يعد يرضى بأنصاف الموهوبين أو الصراخ المفتعل. إن وجود معلق بقيمة وقامة علي آل محسن هو استثمار في “جودة المشاهدة”. إننا لا نتحدث عن مجرد معلق بل عن “هوية صوتية” وطنية نفتخر بها ومن المؤسف أن نستمر في متابعة إبداعه عبر الشاشات الجارة بينما ملاعبنا وأذان جماهيرنا هي الأحق بهذا التميز.



