مبارك الوقيان يكتب:”السعودية تملك الاثنين”

من يريد أن يعرف كيف تُبنى الرياضة الحديثة، فعليه أن يتوقف طويلاً أمام ما تفعله المملكة العربية السعودية الشقيقة اليوم. فما يحدث هناك لم يعد مجرد تطور رياضي، بل تحول مؤسسي جريء يقول بوضوح: زمن المجاملات انتهى، والرياضة التي تريد الوصول إلى العالمية لا مكان فيها للفوضى الإدارية أو الهدر المالي أو تجاوز الأنظمة.
وزارة الرياضة السعودية تستحق الإشادة لأنها لم تختر الطريق الأسهل، بل اختارت الطريق الصحيح. قرارات حازمة، حوكمة، رقابة، مساءلة، تنظيم، واستثمار، ورسالة واضحة بأن النادي، مهما كان اسمه وجماهيريته، يجب أن يعمل داخل منظومة تحكمها الأنظمة والمسؤولية.
وهذه هي الشجاعة الإدارية التي تحتاجها الرياضة العربية.
ليس الإنجاز الحقيقي أن تستقطب نجماً عالمياً أو تنظم بطولة كبرى فقط؛ الإنجاز الأكبر أن تبني منظومة قادرة على حماية نفسها واستثماراتها ومستقبل أنديتها. والسعودية اليوم تعمل على الاثنين معاً: تصنع الحدث أمام العالم، وفي الوقت نفسه تعيد ترتيب البيت الرياضي من الداخل.
التخصيص، والاستثمار، وتطوير المنشآت، وتعزيز الحوكمة، ورفع الكفاءة المالية والإدارية، وتنظيم القطاع وتأهيل كوادره، ليست شعارات للاستهلاك الإعلامي، بل ملامح مشروع رياضي يعرف إلى أين يريد أن يصل.
والأهم أن هناك جرأة في القرار. فالرياضة لا تتطور بمنطق «دع الأمور تمر»، ولا بالمجاملة خوفاً من غضب نادٍ أو جمهور. عندما تكون مصلحة الرياضة ومستقبلها على المحك، يصبح الحزم واجباً، والمحاسبة ضرورة، وتطبيق النظام على الجميع عنواناً للعدالة لا للتشدد.
ولهذا فإن التجربة السعودية تستحق أن تُدرس، لا أن يُكتفى بالتصفيق لها. كثيرون يستطيعون الإنفاق، وقليلون يستطيعون تحويل الإنفاق إلى مشروع مؤسسي مستدام. وكثيرون يتحدثون عن الاحتراف، لكن الاحتراف الحقيقي يبدأ عندما يصبح النظام أقوى من الأسماء، والمؤسسة أكبر من الأشخاص، والمصلحة العامة فوق الحسابات الضيقة.
السعودية اليوم لا تنتظر مستقبل الرياضة، بل تذهب إليه بثقة وسرعة وقرار.
ومن يريد صناعة رياضة حقيقية، فليتعلم أولاً أن القرارات الكبيرة تحتاج إلى شجاعة كبيرة.. والسعودية تملك الاثنين.



