سالم الحبسي يكتب:”السكتيوي يربك الحسابات..عُمان التي رفضت أن تلعب دور الضحية”

العراق امتلك البداية.. والسكتيوي امتلك الشوط الثاني. وبينهما وُلد منتخبٌ جديد
في كرة القدم، ليست كل نقطة تعادلًا. بعضها مجرد رقم في جدول، وبعضها إشارة.
تعادل عُمان مع العراق 1-1 في افتتاح خليجي 27 كان من النوع الثاني؛ ليس لأنه جاء أمام أحد المنتخبات المرشحة، ولا لأن ناصر الرواحي وقّع الهدف رقم 100 للعُمانيين في تاريخ البطولة فحسب، بل لأن المباراة كشفت شيئًا أكثر أهمية: أن منتخب طارق السكتيوي بدأ يتعلم كيف يتصرف تحت الضغط قبل أن يتعلم كيف يفرض إيقاعه.
وهذه، في كرة القدم الحديثة، بداية تستحق الانتباه.
دخل العراق المباراة أكثر استقرارًا وتجانسًا، وهي نقطة اعترف بها السكتيوي نفسه. المنتخب العراقي كان قد عمل مع جهازه الفني لفترة أطول، بينما السكتيوي لم يشرف على عُمان سوى عبر ثلاثة معسكرات، وهي فترة قصيرة لبناء منظومة كاملة. ومع ذلك، لم تتحول الفجوة الزمنية إلى فجوة نفسية.
ضرب العراق أولًا في الدقيقة السادسة عن طريق محمد قاسم، وفي الشوط الأول بدا «الأحمر» أقل قدرة على التحكم في الاستحواذ والانتقال الدفاعي، وهو ما أقر به السكتيوي صراحة.
لكن هنا بدأت المباراة الثانية.
مباراة المدربين.
السكتيوي لم يتعامل مع التأخر بمنطق الهروب إلى الأمام. قرأ المشكلة باعتبارها مشكلة تموضع وسلوك أكثر منها نقصًا في الرغبة. الرواحي، الذي بدأ على الجهة اليمنى، وجد مساحة أكبر وتأثيرًا أوضح عندما تحول إلى الجهة اليسرى في الشوط الثاني؛ قراءة تكتيكية أسهمت في تحرير أخطر أسلحة عُمان الهجومية.
ثم جاء العامل الآخر: إبراهيم المخيني.
الحارس العُماني لم يكن تفصيلًا في القصة؛ كان خط الدفاع الأخير عن احتمال العودة. تصدى لأربع فرص عراقية مهمة، وحافظ على الفارق في منطقة يمكن أن تموت فيها المباراة قبل أن يبدأ مدربها بإعادة تشكيلها.
ثم جاءت الدقيقة 67.
رواحي.
لمسة، جرأة، إنهاء.
1-1.
هدف لا يساوي نقطة فقط؛ بل يساوي اختبارًا ناجحًا لفكرة السكتيوي: أعطِ اللاعب الشاب مساحة من الثقة، ثم اترك له مساحة من الملعب.
الرواحي لم يدخل البطولة بوصفه اسمًا جماهيريًا مكتملًا، بل كجزء من جيل يريد أن ينتزع مكانه. وفي مباراة بهذا الضغط، كان من الممكن أن يصبح صغر الخبرة عبئًا. لكنه تحول إلى ميزة؛ لأن اللاعب لعب بلا رهبة، وكأن المباراة ليست امتحانًا بل نافذة.
وهنا تكمن قيمة السكتيوي.
المدرب لم يمنح اللاعبين الشباب الثقة بالكلمات؛ منحهم إياها بالقرارات.
وهذه نقطة فارقة في بناء المنتخبات. النادي يستطيع تدريب اللاعب يوميًا، أما المدرب الوطني فيعمل مع نافذة زمنية ضيقة، ولذلك تصبح القدرة على خلق الثقة خلال أيام مهارة تكتيكية بحد ذاتها.
السكتيوي قال بعد المباراة إن لاعبيه أظهروا روحًا قتالية عالية، وإن العلاقة داخل غرفة الملابس إيجابية، لكنه شدد في الوقت ذاته على أن الفريق ما زال في البدايات وأن العمل البدني والتكتيكي يحتاج إلى وقت.
وهنا يجب ألا نبالغ في قراءة التعادل.
عُمان لم تسيطر على المباراة. ولم تكن أفضل من العراق في كل مؤشر.
لكنها فعلت شيئًا أكثر دلالة: رفضت أن تسمح لبداية سيئة بأن تحدد نهايتها.
العراق كان أكثر حضورًا في مراحل من المباراة، وصنع فرصًا كان يمكن أن تحسم المواجهة. لكن السكتيوي نجح في تحويل فريقه من مجموعة تحاول النجاة إلى مجموعة تعرف أين تضرب. والرواحي كان رأس السهم، بينما كان المخيني صمام الأمان.
لذلك فإن القيمة الحقيقية لـ1-1 ليست في النقطة وحدها.
إنها في تغيير منحنى التوقعات.
قبل صافرة البداية، كانت عُمان تدخل البطولة وسط أسئلة أكثر من الإجابات. وبعد 90 دقيقة، تغير السؤال الخليجي: لم يعد «هل تستطيع عُمان المنافسة؟»، بل «إلى أي مدى يمكن أن يصل هذا الفريق إذا امتلك السكتيوي الوقت؟»
وهنا تكمن المفارقة الجميلة.
السكتيوي لم يصل بعد إلى منتخب مكتمل، لكنه نجح في أن يجعل منتخبًا غير مكتمل يبدو قابلًا للتطور.
في كرة القدم، هذه ليست بطولة.
لكنها قد تكون بداية مشروع.
العراق امتلك الكرة في لحظات، وعُمان امتلكت الصمود.
العراق امتلك الخبرة، وعُمان امتلكت الجرأة.
العراق سجل أولًا، لكن عُمان كتبت آخر سطر.
وفي جدة، لم يولد «الأحمر» من جديد.
لكنه أرسل أول إشارة إلى أنه لن يكون المنتخب الذي توقعه الآخرون.
السكتيوي لم يربح المباراة.. لكنه ربح شيئًا أخطر: ثقة فريقه بنفسه.



