مقالات رأي

عدنان لفتة يكتب:” مباراة الجمال”

 

في كرة القدم، هناك انتصارات تُسجل في جدول الترتيب، وأخرى تُسجل في الذاكرة. وما حققه المنتخب العراقي أمام الكويت كان من النوع الذي يبقى عالقاً في وجدان الجماهير، لأنه جاء بعد مباراة شاقة اختبرت الأعصاب قبل أن تكافئ الإصرار.

مباراة هي الاجمل في البطولة باثارتها، بأهدافها المذهلة، بحماسة الفريقين الشقيقين واجتهادهم.

العراق كان في أفضل حالاته طوال دقائق اللقاء رغم العقم الهجومي في الجزء الاول، ولم تكن الكويت خصماً عابراً يمكن تجاوزه بسهولة. على العكس تماماً، فقد فرض الأزرق مباراة معقدة أغلق فيها المساحات، وراهن على استنزاف الوقت وإجبار العراقيين على الركض خلف التفاصيل الصغيرة. وبين حذر هذا الطرف وطموح ذاك، ظلت المباراة معلقة بين احتمالين؛ تعادل يرضي الكويت، أو لحظة عراقية تقلب كل الحسابات.

ومع مرور الوقت، بدأت عقارب الساعة تتحول إلى خصم إضافي لأسود الرافدين. كل دقيقة كانت تحمل معها مزيداً من القلق في المدرجات، ومزيداً من الضغط على اللاعبين داخل المستطيل الأخضر. لكن ما يميز المنتخبات التي تبحث عن المجد أنها لا تتفاوض مع اليأس، ولا تستسلم لمنطق الوقت.

العراق لم يتوقف عن المحاولة، حتى عندما بدت الطرق المؤدية إلى المرمى الكويتي مغلقة. واصل الهجوم، ورفع من نسق الضغط، وأبقى المباراة مشتعلة حتى أنفاسها الأخيرة. كان المشهد يقول إن التعادل بات قريباً، لكن كرة القدم كثيراً ما تخفي أجمل أسرارها للدقائق الأخيرة.

ثم جاءت اللحظة التي انتظرتها الجماهير. لحظة اختصرت تسعين دقيقة من الصبر والمعاناة والترقب. هدف كرار نبيل أشعل المدرجات، وأطلق فرحة عراقية مدوية، وأعاد التأكيد أن هذه اللعبة لا تعترف إلا بمن يواصل الإيمان حتى النهاية.

فوز منح العراق أكثر من ثلاث نقاط؛ منحه دفعة معنوية ورسالة ثقة في بطولة تحتاج إلى النفس الطويل بقدر حاجتها إلى المهارة. فالمنتخبات لا تُقاس فقط بما تقدمه من أداء جميل، بل بما تملكه من قدرة على انتزاع الانتصارات عندما تصبح الأمور معقدة.

وفي النهاية، غادرت الجماهير الملعب وهي تدرك أن المنتخب لم يكسب مباراة وحسب، بل كسب درساً جديداً في معنى الإصرار. أما الوقت القاتل، الذي كان دائماً مسرحاً للأحلام والانكسارات، فقد اختار هذه المرة أن يرتدي اللون العراقي، ويكتب نهاية سعيدة لليلة لن تُنسى بسهولة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com