التقارير والحوارات

إياد الصالحي: كأس الخليج أكبر من كرة وأهداف

 

الدمام – عبدالله العبيدي

حين يتحدث الصحفي والمؤرخ الرياضي العراقي إياد الصالحي عن كأس الخليج، تتداخل ذاكرة الصحافة مع تاريخ الكرة العراقية، وتظهر أمامه صور امتدت منذ مشاركة العراق الأولى في الدوحة عام 1976، مرورًا بالجيل الذهبي وألقابه، وصولًا إلى خليجي 25 في البصرة، التي تركت مشاهد جماهيرية وإنسانية خاصة في ذاكرة البطولة.

الصالحي، رئيس تحرير جريدة «فوز» الرياضية العراقية، وعضو نقابة الصحفيين العراقيين والاتحاد العربي للصحافة الرياضية، وعضو المكتب التنفيذي السابق للاتحاد الآسيوي للصحافة الرياضية، أمضى سنوات طويلة في الصحافة الرياضية والبحث والتوثيق، وتولى مواقع تحريرية عدة، من بينها مدير تحرير الشؤون الرياضية في صحيفة «المدى».

ومن موقع الصحفي والموثق، يرى الصالحي أن كأس الخليج صنعت ذاكرة تتجاوز الملاعب والنتائج، وفتحت أمام العراق مساحة واسعة للحضور والتنافس، قبل أن تتحول البطولة مع مرور الزمن إلى إرث رياضي وإنساني تتوارثه الأجيال.

الدوحة.. بوابة العراق إلى الخليج

جاءت المشاركة العراقية الأولى في كأس الخليج خلال النسخة الرابعة التي استضافتها الدوحة عام 1976، وكانت بداية رحلة طويلة ترك فيها العراق بصمته في البطولة.

وصلت المنافسة في تلك النسخة إلى مباراة فاصلة بين العراق والكويت بعد تساوي المنتخبين في النقاط وفارق الأهداف، وانتهت المواجهة بفوز الكويت بعد مباراة شهدت ستة أهداف.

وبعد ثلاث سنوات، جاء الموعد مع أول لقب عراقي في بغداد عام 1979، لتبدأ مرحلة جديدة رسخت حضور العراق بين منتخبات البطولة.

ويرى الصالحي أن تلك المرحلة أسهمت في بناء منافسة خليجية أكثر اتساعًا، مع ظهور أجيال من النجوم مثل ماجد عبدالله، وحسين سعيد، وجاسم يعقوب، وحمود سلطان، وعدنان الطلياني، ومنصور مفتاح، وغلام خميس، وغيرهم من الأسماء التي صنعت ذاكرة كأس الخليج.

وفي السنوات الأولى، شكل التنافس بين الكويت والعراق أحد أبرز ملامح البطولة، قبل أن تتوسع دائرة المنافسة مع ظهور أبطال جدد.

عمو بابا.. وشم في ذاكرة البطولة

وسط الأسماء العراقية التي ارتبطت بكأس الخليج، يتوقف الصالحي عند «شيخ المدربين» عمو بابا، الذي قاد العراق إلى ثلاثة ألقاب خليجية.

جاء اللقب الأول في بغداد عام 1979، ثم تكرر الإنجاز في مسقط عام 1984، قبل أن يعود العراق إلى منصة التتويج في الرياض عام 1988.

ويرى الصالحي أن حضور عمو بابا في ذاكرة البطولة يرتبط أيضًا بقدرته على صناعة أجيال من اللاعبين، إذ خرج من مدرسته عدد من النجوم الذين أصبحوا لاحقًا من أبرز الأسماء في تاريخ الكرة العراقية.

ومن المباريات التي بقيت حاضرة في ذاكرته مواجهة العراق والسعودية في خليجي 7 بمسقط عام 1984، حين فاز المنتخب العراقي بأربعة أهداف دون مقابل، في واحدة من أبرز نتائج البطولة خلال تلك المرحلة.

كان عمو بابا بالنسبة للصالحي أكثر من مدرب حقق الألقاب؛ كان جزءًا من مرحلة صنعت جيلًا ذهبيًا ورسخت حضور الكرة العراقية في كأس الخليج.

الصحافة.. أرشيف الذاكرة العراقية

عاش الجمهور العراقي كأس الخليج في مراحلها الأولى عبر الصحف والمجلات والإذاعة والتلفزيون، وكانت الصحافة الورقية واحدة من أهم النوافذ التي تنقل أخبار البطولة ونتائجها وصورها.

ويتذكر الصالحي حضور الصحف العراقية والكويتية في المكتبات العراقية، وما كانت تحمله من تفاصيل يومية عن المباريات واللاعبين والأحداث المصاحبة.

ومع مرور السنوات، أصبح ذلك الأرشيف جزءًا مهمًا من توثيق تاريخ البطولة، بما يتضمنه من صور ووثائق ومعلومات عن شخصيات رياضية صنعت مراحل مختلفة من كأس الخليج.

ويؤكد الصالحي أن الصحافة القديمة منحت القارئ مساحة للتفاصيل والتحليل والتوثيق، فيما نقل الإعلام الرقمي الجمهور إلى مرحلة جديدة أكثر سرعة وتفاعلًا.

من قارئ إلى ناقد ومحلل ومصور

غيّرت وسائل التواصل الاجتماعي علاقة الجمهور العراقي بالإعلام الرياضي.
كان المشجع في السابق يتابع ما تنشره الصحف ويستمع إلى الإذاعة ويتابع التلفزيون، بينما أصبح اليوم قادرًا على تصوير المباراة، وكتابة تحليله، والتعليق على الأحداث، ونشر مقاطع الفيديو من هاتفه.

وبذلك أصبح الجمهور جزءًا من صناعة المحتوى الرياضي، يشارك في نقل تفاصيل البطولة وصناعة النقاش حولها.

ويرى الصالحي أن لكل مرحلة أدواتها، وأن الانتقال إلى الإعلام الرقمي منح الأجيال الجديدة مساحة واسعة للتعبير والتفاعل مع كأس الخليج.

البصرة.. شهادة ميلاد جديدة

إذا كانت الدوحة قد شهدت دخول العراق إلى كأس الخليج، فإن البصرة حملت فصلًا خاصًا في علاقة العراق بالبطولة.
استضافت المدينة خليجي 25 عام 2023، وعادت البطولة إلى العراق وسط حضور جماهيري واسع، لتظهر المدرجات بصورة مختلفة امتزج فيها الحماس الكروي بالمشهد الإنساني.

ويستعيد الصالحي صور الجماهير وهي تحيي مشجعي المنتخبات المشاركة، من السعودي والقطري والإماراتي والبحريني والكويتي واليمني والعُماني والعراقي، في مشهد اختصر روح البطولة خارج حدود المنافسة.

ومن هذه اللحظة، يرى الصالحي أن البصرة منحت كأس الخليج «شهادة ميلاد جديدة»، بعدما قدمت الجماهير صورة واسعة للتلاقي والتواصل بين أبناء المنطقة.

إرث يتجاوز كرة القدم
في قراءة الصالحي، تحمل كأس الخليج قيمة تتجاوز كرة القدم نفسها.

فالنجوم والمدربون والجماهير والإعلاميون صنعوا عبر أكثر من خمسة عقود ذاكرة مشتركة، فيما تحولت البطولة إلى مساحة تلتقي فيها المنافسة الرياضية بالعلاقات الإنسانية والحكايات التي تبقى بعد صافرة النهاية.
ومن هنا تأتي أهمية انتقال هذه الذاكرة إلى الأجيال الجديدة، التي تتابع البطولة بأدوات مختلفة، لكنها تعيش المشاعر ذاتها مع كل دورة.

من الدوحة إلى جدة
من الدوحة عام 1976، حيث دخل العراق بوابة كأس الخليج، إلى بغداد ومسقط والرياض والبصرة، مرت الكرة العراقية بمحطات متعددة في واحدة من أكثر البطولات ارتباطًا بذاكرة المنطقة.

وعايش إياد الصالحي هذه الرحلة من موقع الصحفي والباحث والموثق، فتابع تطور البطولة، وقرأ أرشيفها، وحفظ حكايات نجومها وأجيالها.

تغيرت الوسيلة؛ من الصحيفة والمجلة والإذاعة إلى الهاتف والمنصات الرقمية، وتغيرت طريقة تفاعل الجمهور، بينما بقيت كأس الخليج مساحة لصناعة الذكريات.

ومن عمو بابا وحسين سعيد ونجوم الجيل الذهبي، إلى مدرجات البصرة وهتافات جماهيرها، تمتد الحكاية العراقية في البطولة حتى تصل إلى خليجي الديار العربية 2027 جدة، حيث تستعد كأس الخليج لفتح فصل جديد من تاريخها.
من الدوحة بدأت مشاركة العراق، وفي البصرة تجددت الحكاية، وإلى خليجي الديار العربية 2027 جدة تمتد الذاكرة.. كأس الخليج إرث تصنعه الأجيال، وتحفظه الملاعب والمدرجات والصفحات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com