نبيلة السهلي تكتب:”المسافة الآمنة”

من آداب المسافة بينك وبين الآخرين: كيف تحمي نفسك، وتحفظ كرامتك، دون أن تخسر دينك أو مروءتك؟
خلق الله الحياة واسعة، وجعل في ديننا وشرعنا سعة ورحمة، ولم يطالبنا الإسلام بأن نكون حطبًا لراحة الآخرين، أو ضحايا لوقاحتهم وأذاهم. ومع ذلك، هناك من يُستنزفون يوميًا في علاقات مؤذية، معتقدين أن الاحتمال والصبر على الإهانة نوع من المروءة، أو أن تحمّل الأذى هو من باب حفظ «العيش والملح».
العيش والملح.. عهد متبادل
من يؤذيك عمدًا، ولا يراعي حرمة العِشرة ولا «العيش والملح»، يكون قد أخلّ أولًا بأصول العلاقة ومقتضياتها. فلا يمكن أن تطالب نفسك وحدها بصيانة ميثاق لم يعد الطرف الآخر يحترمه.
فالاحترام ليس طريقًا باتجاه واحد، بل جسرٌ يبنيه الطرفان معًا. وإذا اختلّ هذا الجسر من الطرف الآخر، فليس مطلوبًا منك أن تسقط في الهاوية وأنت تحاول ترميمه بمفردك.
متى يصبح التجاهل والابتعاد ضرورة؟
إذا كان الأمر لا يتعلق بحق شرعي، ولا ببر الوالدين، ولا بصلة رحم، فما الذي يجبرك على الاستمرار في علاقة تستنزفك أو تحط من كرامتك؟
لنفسك عليك حق، والاستمرار في الضغط والتحمل من أجل إرضاء الآخرين قد يورث الضغينة، ويهدم السلام الداخلي، ويجعل الإنسان يعيش في حالة دائمة من التوتر والانكسار.
والحياة أوسع من أن نحصرها في علاقة تؤذينا. لذلك، قد يكون الابتعاد الهادئ أحيانًا أكثر حكمة من المواجهة، وقد يكون التجاهل أبلغ من الدخول في جدالات لا تنتهي.
ليس كل ابتعاد قسوة، وليس كل مسافة جفاء؛ أحيانًا تكون المسافة وسيلة لحماية النفس، وحفظ الود، ومنع العلاقة من الوصول إلى مرحلة لا يمكن إصلاحها.
البر وصلة الرحم.. ذكاء في إدارة المسافة
قد يتساءل البعض: ماذا لو كان الأذى صادرًا ممن فرض الله علينا برهم وصلتهم؟
هنا تظهر الحكمة، ويبرز ما يمكن أن نسميه «ذكاء إدارة المسافات».
أولًا: بر الوالدين
بر الوالدين والإحسان إليهما من أعظم الواجبات، لكن البر لا يعني أن يعرّض الإنسان نفسه للأذى المستمر أو يدخل في صدامات متكررة. يمكن للإنسان أن يبرّ والديه، ويحسن إليهما، ويؤدي حقوقهما، مع اختيار الأسلوب والوقت والمسافة التي تقلل الاحتكاك وتمنع تفاقم الخلاف.
ثانيًا: صلة الرحم
صلة الرحم لا تعني بالضرورة الاندماج الكامل في حياة الآخرين، ولا تعني فتح الأبواب لمن يستغل القرب للإيذاء أو إثارة المشكلات. يمكن للإنسان أن يصل رحمه بالزيارة، أو السؤال، أو الاتصال، أو المشاركة في المناسبات، مع وضع حدود تحفظ كرامته وتقلل أسباب الاحتكاك والأذى.
فالمطلوب ليس قطع الرحم، ولا الاستسلام للأذى، وإنما البحث عن مساحة متوازنة تجمع بين صلة الرحم وحماية النفس.
المسافة ليست قطيعة
هناك فرق كبير بين أن تضع حدودًا تحميك، وبين أن تحمل في قلبك الكراهية لمن آذاك.
قد تبتعد دون أن تسيء، وقد تقلل الاحتكاك دون أن تقطع، وقد تختار الصمت دون أن تحمل حقدًا.
فالنضج ليس أن تتحمل كل شيء، كما أنه ليس أن تقطع كل من يختلف معك؛ النضج الحقيقي أن تعرف متى تقترب، ومتى تبتعد، ومتى تصمت، ومتى تضع حدًا واضحًا.
الخلاصة
الحياة لا تحتاج إلى أن نكون ضحايا باسم الطيبة، ولا إلى أن نخسر أخلاقنا باسم الدفاع عن أنفسنا.
وازن بين دينك وكرامتك، وبين المروءة وحماية النفس. احفظ الود ما استطعت، وصل رحمك، وبر والديك، وأحسن إلى الناس، لكن لا تسمح لأحد أن يحوّل طيبتك إلى باب مفتوح لإيذائك.
فبعض المسافات ليست هروبًا، وبعض الأبواب المغلقة ليست قسوة، وبعض الابتعاد ليس كراهية.
أحيانًا تكون المسافة الآمنة هي المساحة التي تحفظ لك دينك، وكرامتك، وهدوء قلبك.



