مقالات رأي

نبيله السهلي تكتب :” لغة الحروب”

 

 

 

أن تكون إنساناً رقيقاً في هذا العالم، يعني أن تملك روحاً شفافة تُربكها أصوات المدافع، وتدمي حواسّها قطرة دمٍ تُراق بغير حق. لستُ ممن يستوعبون لغة الحروب، ولا تتسع مخيلتي لشرعنة السلاح؛ فالحياة في أصلها فكرة سلام، وُجدنا لنعمرها لا لنخرب سكونها. ولعقودٍ من الزمن، كنا نعيش في هذا الوطن تحت مظلة طمأنينةٍ مطلقة؛ كانت الصراعات البعيدة تتردد على الأطراف كأنها مجرد إيقاعات هادئة، أو مناوشات معزولة أشبه بـ «لعبة كيرم» لا تطالُ سقف بيوتنا ولا تمسُّ روتين أيامنا الساكنة. كنا نمرّ على نعمة الأمن كما يمر المرء على الهواء؛ نتنفسه بعمق دون أن نسأل من أين يأتي، ونغفو بثقة أن الغد لن يحمل إلا السلام.
لكن المأساة لا تكمن في وقوع الخطر، بل في الفهم المنحرف للضمير الإنساني. كيف يتأتى لـ «عقلٍ إنساني» أن يصوّب أذى صامت، كصواريخ ومقذوفات، نحو مطاراتٍ ومرافئ تعجّ بالحياة والأبرياء؟ أي مفارقة هذه التي تجعل فئةً إرهابية تتسربل بشعارات الدين والإسلام، بينما هي تطعن أصل المبدأ الذي أرساه النبي عليه الصلاة والسلام حين أعلن أن «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده»؟ إنها لغةُ دمارٍ هجين، لا تمت لأخلاقية الفرسان بصلة، ولا تصدر إلا عن نفوسٍ أظلمت فاستمرأت إيذاء الآمنين.
والعمق الأكثر إيلاماً يتجلى في مجافاة الفطرة الإنسانية؛ فطوال سنوات العجاف، كانت أيدي هذا الوطن ممدودةً بالخير، نرسل المؤن والإغاثة لأشقائنا في اليمن الشقيق، محبةً وجواراً، لإيماننا الراسخ بأن للشعب اليمني أصالةً ونبلاً لا يمثلهما هذا الطارئ المسلح. فكيف يُقابل الوردُ بالرصاص؟ وكيف تتلقى اليد الممدودة للبلسم خنجراً من غدر؟
إن لحظات التهديد العابرة لا تكسر المجتمعات الحية، بل تُعيد اكتشافها. حين تحاول قوى الإرهاب إفزاع الأرواح بلغة الحروب والقسوة، يحدث العكس تماماً؛ تتلاشى المسافات بين شمال الوطن وجنوبه، وشرقه وغربه، لينصهر الجمع في جسدٍ واحد يشدّ بعضه بعضاً.
إن الأمن ليس مجرد غيابٍ للمدافع، بل هو «موقف وجودي» تحميه رعاية السماء، وتصونه وحدة القلوب، وسهر أبطالٍ نذروا أرواحهم للذود عن الحمى. ستبقى هذه الأرض مأمناً وسكناً، وستنكسر على جدرانها كل رهان خائب؛ لأن الأوطان التي تُبنى على الرحمة والإنسان، لا تُهدم بخوفٍ عابر ولا يطمس نورَها غدر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com