الرياض.. الركيزة الصلبة التي حطمت أوهام التوسع

لا تدار الدول الكبرى بمنطق ردود الأفعال العابرة، بل تستند إلى عقيدة استراتيجية راسخة تحدد موقعها كركيزة أساسية للأمن الإقليمي والدولي.
وفي منطقة تموج بها الاضطرابت وتتجاذبها أطماع التوسع، لطالما كانت المملكة العربية السعودية عمق العالمين العربي والإسلامي المركز الأثقل والجدار الصلب الذي تتحطم عليه مشاريع التغلغل والتوسع.
إن قراءة المشهد الراهن بجميع تعقيداته مع الميليشيات الإرهابية وداعميها لا يمكن فصلها عن المسار التاريخي الحاسم للرياض، فهو مسار يبرهن أن الحزم السعودي ليس وليد لحظة بل هي عقيدة حكم ودفاع مستدامة عن السيادة الوطنية والعروبة.
لقد كشفت الأحداث الجارية، والمحاولات المستمرة للميليشيات الحوثية الارهابية ومن يقف خلفها من الدول الإقليمية لتهديد أمن المملكة عن اتساقٍ تامّ في السلوك السياسي والعسكري للمملكة.
فلم تكن الرياض يوماً في منطقة رمادية حين يتعلق الأمر بالأمن القومي، فالتاريخ وثق كيف تحركت القوات السعودية عام 1948 إلى الأراضي الفلسطينية لنصرة الشعب الفلسطيني، وكيف غيرت موازين القوى في حرب 1973 بشجاعة سياسية حين قطعت إمدادات النفط عن داعمي الإحتلال.
كما تجلى هذا الدور التاريخي عندما ألقت المملكة بثقلها السياسي والعسكري لتحرير دولة الكويت الشقيقة، حاسمةً عبر عمليات عاصفة الصحراء أي أطماع اقتصادية أو توسعية.
ومع تغير أدوات المعركة ودخول المنطقة عصر حرب الوكلاء والمشاريع التوسعية الطائفية، ظلت الاستراتيجية السعودية ثابتة لا تتغير. فمنذ دحر التسلل الحوثي الأول على الحدود الجنوبية عام 2009، وإجهاض مخططات الفتنة في مملكة البحرين الشقيقة عام 2011، وصولاً إلى حربها الشاملة والاستباقية التي اجتثت بها التنظيمات الإرهابية القاعدة وداعش، برهنت الرياض أن أمن المملكة ودول الجوار خط أحمر، وأي تهديد يتوجب قطعه من جذوره.
إن تصاعد الهجمات الحوثية بالمسيّرات والصواريخ، بدعم وتوجيه مباشرين من أطراف إقليمية تسعى لاتخاذ اليمن منصة لاستهداف السعودية والاستحواذ على الملاحة البحرية، ليس إلا امتداداً جغرافياً لمشروع تمزيق المنطقة الذي اصطدم بيقظة المملكة. فلم تكتفي بتأمين أجوائها وحدودها عبر منظومات دفاعية وبسالة عسكرية أثبتت كفاءتها العالية، بل كشف تعاملها الاستراتيجي مع الأزمة: حزمٌ يقطع دابر المعتدي، وحكمة سياسية تقود التحالفات الدولية لتجفيف منابع تمويل الميليشيات الإرهابية والتسليح الخارجي، وحماية الاقتصاد العالمي وممرات الطاقة من الابتزاز والإرهاب.
إن ما تشهده المنطقة اليوم يبعث برسالة سياسية واضحة ومباشرة: السعودية ليست مجرد طرف في معادلة الشرق الأوسط، بل هي عمق معادلة التوازن والاستقرار.
ختاماً، رسالة وفاء وبيعة متجددة إلى ولاة أمرنا:
سيروا بنا في أي اتّجاهٍ ترتَضون، واضرِبوا بنا لُججَ البحارِ وما تشاؤون فنحن جندكم الأوفياء في النّائبات، وسندُكم الصّامدُ في المُلِمّات، وشعبكم الأبيُّ الذي لا يلين للريح، ولا ينكسر أمام التّصاريح. نمضي خلف خُطاكم إيماناً بحكمتكم السديدة، ورؤيتِكم الفريدة، وتوفيقِ اللهِ لكم، وهو الذي شَرّفكم برعايةِ الحرمين الشريفين وإعمارِهما، وخدمةِ قاصدِي بيته الحرام وإكرامِهما.
وإنّنا على ثقةٍ ويقين، بأنّ ما أرسيتموه من معالم الحزمِ والعدالة، ومنابر الشفافيةِ والأصالة، سيبقى رايتنا الشامخة في القِمم، وسدَّنا المنيع في وجهِ الفتن، ورادعاً لكلّ من تسوّلُ له نفسُه العبث بأمنِ هذا الوطن أو المساس بسيادته، كما نسأل الله العلي القدير، أن يحفظ خادم الحرمين الشريفين ويسدّد سمو ولي عهدهِ الأمين ويشدَّ به أزره، وأن ينصر جنودنا البواسل المرابطين على الثغور، ويثبت أقدامهم، ويُديمَ على بلادِنا نعمة الأمن والأمان، والرفعة والإستقرار.



