منوعات

القهوة العربية.. إرث الكرم وسِمَة المجالس في وجدان أهالي حائل

 

حائل – خلف العفنان
أوضح الأستاذ فهد بن سعود الفيصل التميمي ، أحد أعيان بلدة المهاش في منطقة حائل ، في حديث لصحيفة الكأس ، أن القهوة العربية ليست مجرد مشروب تقليدي يُقدَّم في المجالس ، بل هي إرثٌ حضاري متجذر ، يعكس عمق قيم الكرم والضيافة التي اشتهرت بها منطقة حائل وسائر أرجاء الجزيرة العربية ، حتى غدت رمزا ثقافيا وأدبيا واجتماعيا يحمل في طياته معاني النبل والمروءة.

واستهل الفيصل حديثه بالتأكيد على أن الكرم خُلُقٌ أصيل في الفطرة الإنسانية ، غير أنه بلغ عند العرب منزلةً رفيعة حتى أصبح معيارا للمكانة والوجاهة ، مستشهدا بما ورد في سير الأنبياء ؛ حيث اقترن الكرم بنبي الله إبراهيم عليه السلام ، الذي ضُرب به المثل في إكرام الضيف ، كما أشار إلى قصة نبي الله موسى عليه السلام مع العبد الصالح ، حين امتنع أهل القرية عن ضيافتهما ، في دلالةٍ بليغة على أن امتناع الضيافة يُعد خروجا عن القيم المستقرة في النفوس. وأكد أن العرب ، بوصفهم من ذرية إسماعيل عليه السلام ، حملوا هذا الإرث الخلقي جيلاً بعد جيل ، حتى غدا سمةً ملازمة لثقافتهم وهويتهم.

وفي سياق حديثه عن القهوة العربية ، أوضح الفيصل أن هذا المشروب ارتبط تاريخيا بمظاهر الكرم ، حيث تشير الشواهد والنقوش إلى أن الدلة العربية تعود إلى نهاية القرن السادس الهجري ، مما يعكس عمق حضور القهوة في حياة العرب. ولم تكن القهوة في بداياتها مشروبا متاحا للجميع ، بل ارتبطت بندرتها وقيمتها العالية ، فكانت تُقدّم للضيوف الكرام وأصحاب المكانة ، ضمن أعراف دقيقة تضبط أسلوب تقديمها وتحدد دلالاتها.

وبيّن الفيصل أن للقهوة العربية حضورا لافتا في الأدب الشعبي والشعر العربي ، حيث تسابق الشعراء في وصفها وتصوير طقوسها ، لما تمثله من رمزٍ للكرم وبهجة اللقاء. ومن ذلك قول الشاعر زيد الخوير:

واحمس ولقّم بالعجل يا السنافي
بشاميةٍ طرفٍ لها الجمر تطريف

وزلّه وصفه عن سريب المصافي
من خوفةٍ أحد قال بالكيف يا حيف

وأضاف أن هذه الأبيات تعكس جانبا من العناية التي يوليها العرب لتحضير القهوة ، وما يحيط بها من تفاصيل دقيقة تُبرز مكانتها في المجالس.

وأشار الفيصل إلى أن إعداد القهوة العربية يُعد فناً متكاملًا ، تتوارثه الأجيال ، ويقوم على مهارةٍ دقيقة ومعرفةٍ متقنة ، تبدأ باختيار أجود أنواع البن ، وتنقيته بعناية ، ثم تحميصه على نارٍ هادئة حتى يكتسب اللون والنكهة المناسبين ، مع الحرص على تقليب الحبوب حتى تنضج بشكلٍ متساوٍ. يلي ذلك دقّ البن في النجر ، وهو صوتٌ اعتادته المجالس العربية وأصبح جزءا من طقوسها ، ثم يُغلى في المفواحة لبضع دقائق ، ويُترك ليصفو قبل نقله إلى الدلة المضاف لها الهيل أو العويدي ، وقد يُضاف الزعفران في بعض المناطق ، خصوصا في حائل ، لما يمنحه من صفاءٍ في اللون وثراءٍ في المذاق.

وأكد أن تقديم القهوة لا يقل أهمية عن صناعتها ، حيث تحكمه قواعد وأعراف راسخة ؛ فالمضيف هو من يتولى صبّها بنفسه أو تحت إشرافه ، ويُقدم الفنجان باليد اليمنى ، وتُصب بكميات قليلة تعبيرا عن التقدير ، ويبدأ التقديم بكبير القوم أو أرفعهم منزلة ، في مشهدٍ يعكس أدب المجالس واحترام الحاضرين. كما أن لفناجين القهوة دلالات معروفة ، من فنجال الهيف وفنجال الضيف وفنجال الكيف ، ولكلٍ منها معناه وسياقه الاجتماعي.

ولفت الفيصل إلى أن القهوة العربية لم تعد مجرد عادةٍ اجتماعية ، بل أصبحت رمزا للهوية الثقافية ، ووسيلةً لتعزيز الروابط بين الناس ، حيث تجمع القلوب قبل الأجساد ، وتفتح أبواب الحديث والتواصل. كما أن لها أثرا في تحسين المزاج وتنشيط الذهن ، مما جعلها رفيقا دائما في حياة الكثيرين.

واختتم الفيصل حديثه بالإشارة إلى العناية التي توليها المملكة العربية السعودية بالقهوة السعودية ، بوصفها جزءا من موروثها الوطني ، مشيرا إلى تسمية عام 2022 بعام القهوة السعودية ، في مبادرةٍ تؤكد مكانة هذا المشروب العريق ، وتعزز حضوره في المشهد الثقافي ، باعتباره رمزا أصيلا لعراقة الضيافة وسمو القيم العربية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com