الفتح.. لماذا وصل التراجع إلى هذا الحد؟

الأحساء- مصطفى إبراهيم
لم يعد الحديث عن تراجع الفتح مجرد انطباع عابر أو نتيجة مباراة سيئة، فالمؤشرات الحالية تؤكد أن الفريق يعيش مرحلة صعبة تحتاج إلى وقفة حقيقية من جميع الأطراف، قبل أن تتحول البداية المتعثرة إلى أزمة يصعب التعامل معها.
الفتح، الذي اعتاد خلال السنوات الماضية أن يكون من الفرق القادرة على تقديم مستويات مستقرة في دوري روشن، وجد نفسه مع بداية الموسم الجديد بعيدًا عن الصورة التي اعتاد عليها جمهوره. وبعد خمس جولات، لم يحقق الفريق أي انتصار، واكتفى بثلاث نقاط، فيما ظل الجانب الهجومي يمثل علامة استفهام كبيرة، بعدما عجز عن التسجيل في مبارياته الأربع الأولى، قبل أن ينتهي لقاء التعاون الأخير بالتعادل السلبي.
صيف غير مستقر
ربما تكون البداية الحقيقية للأزمة قد سبقت انطلاق الموسم.
الفريق دخل الموسم وسط تغييرات كبيرة على المستويين الفني والإداري، إلى جانب رحيل عدد من العناصر الأساسية، في وقت لم تكن فيه عملية الإحلال والتجديد بالسرعة والكفاءة التي يحتاجها فريق ينافس في دوري أصبح أكثر قوة وتنافسية.
وكانت المؤشرات خلال فترة الإعداد مقلقة، خصوصًا مع تأخر اكتمال المجموعة واحتياج الجهاز الفني إلى المزيد من الوقت لبناء فريق متجانس. وقد أشارت تقارير سابقة إلى أن المدرب خالد العطوي حدد احتياجاته الفنية، في ظل رحيل لاعبين وتدعيمات لم تكن كافية في بداية التحضيرات.
وهنا تظهر واحدة من أهم مشكلات الفتح: الفريق لم يبدأ الموسم وهو مكتمل فنيًا.
رحيل عناصر مؤثرة
عندما تخسر مجموعة من اللاعبين الأساسيين، فإن تعويضهم لا يكون بالأسماء فقط، وإنما يحتاج إلى وقت لبناء الانسجام.
الفتح خسر عناصر كانت تعرف طبيعة الفريق والدوري وأسلوب اللعب، ومع دخول أسماء جديدة يصبح من الطبيعي أن يحتاج الفريق إلى فترة للتأقلم.
لكن المشكلة أن دوري روشن لا يمنح كثيرًا من الوقت.
كل نقطة لها قيمتها، وكل بداية سيئة قد تتحول إلى ضغط نفسي، خصوصًا على فريق يبحث عن الابتعاد عن مناطق الخطر.
المشكلة الأكبر.. الهجوم
إذا كان هناك عنوان واضح لبداية الفتح فهو العجز الهجومي.
الفريق لم يسجل في أول أربع مباريات، وهي إشارة لا يمكن تجاهلها، خصوصًا أن الوصول إلى مرمى المنافس لا يعني شيئًا إذا لم يتحول إلى أهداف.
وفي كرة القدم، يمكن للفريق أن يقدم أداءً جيدًا ويخسر أو يتعادل، لكن تكرار إهدار الفرص وعدم التسجيل يتحول مع الوقت إلى مشكلة ذهنية.
اللاعب يبدأ بالتفكير أكثر من اللازم أمام المرمى، وتزداد الضغوط، وتصبح كل فرصة مهدرة سببًا في زيادة التوتر.
وهذا ما يحتاج الفتح إلى علاجه سريعًا.
دفاع يتحمل أكثر من طاقته
في المقابل، لا يمكن تحميل الهجوم وحده مسؤولية التراجع.
المنظومة الدفاعية أيضًا تحتاج إلى المزيد من التنظيم، خصوصًا عندما يلعب الفريق تحت ضغط مستمر نتيجة عدم التسجيل.
عندما لا تسجل، تصبح المحافظة على نظافة الشباك ضرورة، لأن أي خطأ صغير قد يكلفك المباراة.
وهذا ما حدث في أكثر من مناسبة خلال البداية، إذ وجد الفتح نفسه مطالبًا بالتعويض بعد استقبال هدف، بينما لا يملك الحل الهجومي الكافي للعودة.
خالد العطوي أمام اختبار صعب
المدرب خالد العطوي أمام اختبار حقيقي.
العطوي جاء إلى الفتح وسط طموحات كبيرة، لكن الظروف التي وجد فيها الفريق لم تكن مثالية.
المطلوب منه الآن ليس فقط اختيار التشكيل المناسب، وإنما صناعة شخصية واضحة للفريق.
الفتح يحتاج إلى أن يعرف ماذا يريد داخل الملعب:
هل سيدافع وينتظر؟
هل سيضغط من الأمام؟
هل سيبني اللعب من الخلف؟
كيف سيتعامل مع المباريات التي يحتاج فيها إلى الفوز؟
هذه التفاصيل يجب أن تظهر بوضوح، لأن الفريق في المرحلة الحالية لا يحتاج إلى حلول مؤقتة، بل إلى هوية فنية ثابتة.
المشكلة ليست في المدرب وحده
ومن الظلم اختصار أزمة الفتح في اسم المدرب.
المدرب جزء من المنظومة، لكنه ليس المنظومة كلها.
إذا كانت التعاقدات متأخرة، وإذا لم تكتمل القائمة في وقت مبكر، وإذا رحل لاعبون مؤثرون، وإذا احتاجت العناصر الجديدة إلى وقت للانسجام، فإن أي مدرب سيجد نفسه أمام مهمة صعبة.
لذلك فإن الحل يجب أن يكون جماعيًا.
الإدارة مطالبة بدعم الجهاز الفني، والجهاز الفني مطالب بتطوير الفريق، واللاعبون مطالبون بتحمل المسؤولية داخل الملعب.
الفتح يحتاج إلى رد فعل
المقلق أكثر من النتائج هو أن الفريق لم يظهر حتى الآن بالشكل الذي يوحي بأنه قادر على الخروج سريعًا من أزمته.
صحيح أن التعادل مع الاتحاد ثم التعادل مع التعاون قد يمنحان الفريق بعض الثقة، لكن النقطة لا تكفي إذا استمر العجز عن تحقيق الانتصارات.
الفريق بحاجة إلى فوز يعيد الثقة قبل أن تتضاعف الضغوط.
فالانتصار الأول قد يكون نقطة التحول، لكنه في المقابل يحتاج إلى أداء يقنع الجماهير بأن ما حدث في الجولات الماضية كان مجرد بداية متعثرة وليس بداية لمسار طويل من المعاناة.
القادم أخطر
المباريات المقبلة لن تكون سهلة.
الفتح سيواجه الدرعية ثم نيوم، وبعدها تنتظره مواجهات قوية أمام الأهلي والحزم والخليج والشباب والهلال.
وهذا يعني أن الفريق لا يملك رفاهية الانتظار.
كلما تأخر الانتصار، أصبحت مهمة العودة أصعب، وزادت الضغوط على اللاعبين والجهاز الفني والإدارة.
ماذا يحتاج الفتح؟
الفتح يحتاج إلى خمسة أمور واضحة:
أولًا: تدعيم الصفوف بالعناصر التي يحتاجها المدرب فعلًا، وليس مجرد زيادة عدد اللاعبين.
ثانيًا: إيجاد حل عاجل للعقم الهجومي، سواء من خلال التعاقدات أو تغيير طريقة اللعب أو منح الثقة للعناصر الموجودة.
ثالثًا: رفع الجاهزية البدنية والذهنية، خصوصًا أن الفريق بدا في بعض المباريات فاقدًا للحسم في الثلث الأخير.
رابعًا: منح الجهاز الفني الاستقرار والوقت، مع ضرورة محاسبته على التطور الفني والنتائج.
خامسًا: استعادة شخصية الفتح، الفريق الذي كان يعرف كيف ينافس ويزعج الكبار ويحسم المباريات التي تكون في متناوله.
الخلاصة
تراجع الفتح المخيف لم يحدث بين ليلة وضحاها.
هناك أسباب متراكمة تبدأ من تغييرات الصيف، وتمر برحيل عناصر مؤثرة، وتأخر اكتمال الفريق، وعدم الانسجام، وصولًا إلى المشكلة الأبرز حاليًا وهي العقم الهجومي.
والأخطر أن استمرار هذه المشاكل قد يحول البداية السيئة إلى أزمة حقيقية.
الفتح أمام مفترق طرق: إما أن يستغل الفترة الحالية لإعادة ترتيب أوراقه وتصحيح الأخطاء، أو أن يستمر في الدوران داخل دائرة النتائج السلبية حتى يجد نفسه في موقف لا يحسد عليه.
الموسم لا يزال طويلًا، والفرصة ما زالت موجودة، لكن المطلوب الآن هو رد فعل حقيقي داخل الملعب، وليس مجرد وعود خارج الملعب.
فالفتح لا يحتاج إلى معجزة، بقدر ما يحتاج إلى قرار واضح، وتدعيم مناسب، واستقرار فني، وشخصية تعيد الفريق إلى الطريق الصحيح.



