مقالات رأي

نبيله السهلي تكتب:”حين يُسقط النجاح أقنعة النفاق”

 

 

تظل الصداقة من أنبل أشكال الروابط الإنسانية؛ فهي عهد غير مكتوب على الوفاء، ودعم النجاح، والفرح لخير الصديق كما لو كان خيرًا للنفس. لكن أشد الخيبات إيلامًا ليست تلك التي تأتي من أعداء صُرَحاء، بل تلك التي تنكشف فجأة من أشخاص ظنناهم يومًا ملاذًا وأمانًا، فإذا بالمشاعر التي أخفوها طويلًا تظهر عند أول اختبار.

طالما شعرتُ بشيء من التردد والغيرة في تعاملها معي، لكنني كنت أدفع الظن بالتي هي أحسن، وأقول في نفسي: ربما هو مجرد تنافس على التقدم أو المكانة. فالتنافس الشريف لا يسيء إلى أحد، بل يدفع الإنسان إلى تطوير ذاته وتحسين أدواته، أما الحسد حين يتسلل إلى النفس، فإنه لا يكتفي بأن يتمنى الوصول، بل يحاول التقليل من نجاح الآخرين والتشكيك في جهودهم.

ولم يطل الأمر حتى جاءت رسالة كاشفة، أسقطت كثيرًا من الأعذار، وأظهرت حقيقة مشاعر كنت أضعها طويلًا في دائرة الاحتمال.

لقد علمتني هذه التجربة أن النجاح ليس مجرد نتيجة نصل إليها، بل هو أيضًا محكّ حقيقي للعلاقات والمشاعر. فعندما ينجح الإنسان، تظهر حوله وجوه تفرح له بصدق، ووجوه أخرى كانت تخفي وراء المجاملة شيئًا مختلفًا.

أما أنا، فقد واصلت مسيرتي في الكتابة بدافع من الشغف والإيمان بالكلمة. بدأت علاقتي بالكتابة والعمل الثقافي والاجتماعي منذ سنوات طويلة، قبل انتشار وسائل التواصل الاجتماعي وقبل أن تصبح أدوات الذكاء الاصطناعي جزءًا من المشهد الذي نعيشه اليوم. ألقيت المحاضرات في المدارس والمساجد، وشاركت في منصات وزارة العمل والشؤون الاجتماعية سابقًا، وتحدثت في موضوعات متعددة، كان من بينها كفالة الأيتام ورعاية المسنين، انطلاقًا من إيماني بأن للكلمة دورًا يتجاوز مجرد الكتابة إلى التأثير وخدمة المجتمع.

واليوم أواصل الكتابة صحفيةً في عدد من الصحف والمجلات، لا بحثًا عن منافسة أحد، وإنما لأنني أحب الكتابة، وأجد فيها مساحة للتعبير والعطاء.

لكن يبدو أن هناك من لا ينظر إلى النتاج بقدر ما ينظر إلى صاحبه؛ فينشغل بحياة الآخرين أكثر من انشغاله بتطوير ذاته، ويتابع خطواتهم لا حبًا في نجاحهم، وإنما بحثًا عن زلة أو ثغرة يمكن أن يستخدمها للتقليل منهم.

وحين تعجز بعض النفوس عن العثور على العيب، قد تلجأ إلى اختلاقه؛ فيصبح النجاح عندها «تصنعًا»، والجهد «مبالغة»، والتميز «استعراضًا»، وحتى الكتابة يمكن أن تُتهم بأنها نتاج أدوات الذكاء الاصطناعي، وكأن استخدام التقنية -إن حدث- يلغي قيمة الفكرة أو الجهد أو التجربة الإنسانية التي تقف خلف النص.

وقد بدا لي أن بعض هذه الاتهامات لم تأتِ من فراغ، خصوصًا بعد أن رُفضت مقالتها، وقُبلت مقالتي ككاتبة دائمة في إحدى الصحف، بتوفيق من الله أولًا وأخيرًا.

وهنا أدركت أن بعض العلاقات لا تحتاج إلى معارك طويلة كي تنتهي، فالمواقف وحدها كفيلة بأن تقول كل شيء.

وما أجمل أن يختصر الشعر كثيرًا من الكلام؛ فقد قال محمود الوراق:

إِذا المَرءُ لَم يَحفَظ ثَلاثًا فَبِعْهُ
وَلَو بِكَفٍّ مِن رَمادِ
وَفاءً لِلصَديقِ وَبَذلَ مالٍ
وَكِتمانَ السَرائِرِ في الفُؤادِ

فالصداقة الحقيقية وفاء، وحفظ للسر، وصدق في المواقف، وليست مجرد كلمات جميلة تُقال في أوقات الرخاء.

وحين يتجاوز الإنسان حدود الاختلاف إلى الاعتراض على ما وهبه الله لغيره، يصبح الأمر أكبر من مجرد نقد أو منافسة. وهنا يحضر البيت الشهير المنسوب إلى الإمام الشافعي:

أَلا قُل لِمَن كانَ لي حاسِدًا
أَتَدري عَلى مَن أَسَأتَ الأَدَب؟
أَسَأتَ عَلى اللَهِ في فِعلِهِ
إِذا أَنتَ لَم تَرضَ لي ما وَهَب

فالأرزاق والمواهب والقبول والتوفيق عطايا من الله، وليس للإنسان أن يعترض على قسمة الله، أو يجعل نجاح غيره سببًا للحقد عليه.

ولأن الحسد قبل أن يؤذي صاحبه قد يستهلكه من الداخل، يبقى البيت المنسوب إلى أبي الأسود الدؤلي معبرًا عن هذه الحقيقة:

لِلَّهِ دَرُّ الحَسَدِ ما أَعدَلَهُ
بَدَأَ بِصاحِبِهِ فَقَتَلَهُ

حين يكون الابتعاد هو الحل

وما الحل مع علاقة أصبحت مصدرًا للأذى وسوء الظن؟

ليس الحل دائمًا في المجادلة، ولا في محاولة تقديم البراهين لمن اختار أن يرى الأمور بعين واحدة. أحيانًا يكون الانسحاب الهادئ أكثر حكمة من الدخول في معركة لا نهاية لها.

فالإنسان ليس مطالبًا بأن يشرح نفسه للجميع، ولا بأن يثبت حسن نيته لكل من قرر إساءة الظن به. يكفيه أن يعرف نفسه، وأن يواصل طريقه، وأن يترك ما عجز عن إصلاحه لله.

وقد جاء الهدي القرآني واضحًا:

﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾

ولهذا كانت كلماتي الأخيرة اختصارًا لكل شيء، وقطعًا لوصل لم يعد صالحًا للاستمرار:

«الله يسهل أمرنا وأمرك، وسلام».

سلام لا يحمل إساءة، لكنه يحمل قرارًا واضحًا.

سلام على علاقة انتهت حين سقطت الأقنعة، وسلام على كل قلب عرف أن الصداقة الحقيقية لا تُختبر بالكلام، وإنما بالمواقف.

فالصداقة التي تتحول إلى غيرة، والود الذي ينقلب إلى ترقب، والسر الذي يتحول إلى وسيلة للأذى؛ لا يستحق أن يتمسك به الإنسان طويلًا.

وأحيانًا يكون الابتعاد عن علاقة مؤذية ليس خسارة، بل نجاة.

والسلام ختام.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com