سالم الحبسي يكتب:” من جدة إلى العراق.. من «يا هلا» البحر إلى جنون البصرة”

جَدّة أشعلت المدرجات… والعراق يستلم الراية: خليجٌ واحد، وشغفٌ لا يهدأ!
هناك بطولات تُلعب في الملاعب، وبطولات تُلعب في القلوب.
وكأس الخليج واحدة من تلك الحكايات النادرة التي لا تنتهي صافرتها بانتهاء المباراة؛ لأن الكرة فيها ليست كرةً فقط، والمنتخب ليس أحد عشر لاعبًا فقط، والمدرج ليس مقاعد متراصة خلف المرمى.
إنها ذاكرة شعب. رائحة مدينة. صوت أب. دعاء أم. قميص قديم ورثه ابن عن أبيه. علمٌ يرفرف في شارع، وطفلٌ يركض خلف كرة في حارة، ورجلٌ يرفع صوته عند الهدف كأنه يسترد به شيئًا من طفولته.
ومن جدة إلى العراق، تمضي كأس الخليج كما تمضي القوافل القديمة بين مدن الخليج: تحمل معها الحكايات، وتترك خلفها صداقات وذكريات، وتقول لكل مدينة تصل إليها:
أرينا كيف تحبون الكرة..فنحن نعرف أن لكل أرض طريقتها في العشق.
جدة..المدينة التي تعرف كيف تستقبل الخليج
يا جدة..
يا مدينة البحر حين يقترب من اليابسة،
ويا مدينة الحكايات التي لا تحتاج إلى من يرويها؛ يكفي أن تمشي في أزقتها القديمة حتى تسمع وقع الخطى من قرون مضت.
في جدة، للبحر رائحة، وللحارة ذاكرة، وللملعب صوت آخر.
وحين جاءت خليجي 27، لم تستقبل جدة البطولة كضيف عابر؛ بل فتحت لها أبوابها كما تفتح المدينة العتيقة نوافذها للبحر.
من جدة التاريخية وبيت نصيف، حيث اجتمعت جماهير المنتخبات ورددت الأهازيج ورفعت الأعلام، إلى المدرجات التي تضج بالألوان والأصوات، بدا واضحًا أن البطولة لا تعيش داخل الملعب وحده، بل في المدينة كلها.
هذه هي جدة التي تقول لضيوفها:
يا هلا..والدار داركم.
وهذه العبارة وحدها تختصر شيئًا من روح المدينة؛ كأن جدة لا تستقبل القادم إليها بعبارة ترحيب فحسب، بل تمنحه مفتاحًا من مفاتيح البيت.
جدة مدينة تعرف معنى «الوناسة»، وتعرف أن الضيف لا يكفي أن يأكل ويشرب؛ بل يجب أن يعود إلى بلده وفي ذاكرته وجهٌ وابتسامة وحكاية.
هنا الكرة ليست لعبة..هنا الكرة سيرة مدينة
كيف يمكن أن تذكر جدة وكرتها دون أن تذكر الاتحاد والأهلي؟
الأصفر والأسود..
الأخضر والأبيض..
لونان يتجاوران في المدينة، لكنهما يحملان ذاكرة أجيال.
الاتحاد، عميد الأندية السعودية، تأسس عام 1927، وظل جزءًا أساسيًا من هوية جدة الرياضية. والأهلي، الذي تأسس عام 1937، صار بدوره أحد أعرق الأسماء في المدينة وأكثرها حضورًا في الذاكرة الرياضية السعودية.
ومن هنا جاءت خصوصية جدة:
الكرة فيها لا تبدأ من المدرج..بل من البيت.
من أبٍ يقول لابنه: «أنا اتحادي»، أو أمٍ تعرف أسماء اللاعبين أكثر مما يعرفها ابنها، أو جدٍ يستعيد مباراة قديمة وكأنها حدثت بالأمس.
ومن حارات جدة خرجت أسماء صنعت الذاكرة الكروية السعودية؛ أسماء مثل خالد مسعد، فهد المولد، طلال المشعل، حسين عبدالغني، ياسر المسيليم، خالد قهوجي وغيرهم، ممن ارتبطت أسماؤهم بكرة جدة والمنتخبات والأندية.
وفي جدة، لا تحتاج إلى أن تسأل عن مكان الكرة.
اتبع الصوت..!
ستصل.
يا جدة..شكرًا لأنك جعلتِ الخليج يشعر أنه في بيته
شكرًا لكِ يا جدة..
على البحر الذي صافح القادمين،
وعلى الأزقة التي حفظت خطى الجماهير،
وعلى المدرجات التي لم تسأل الضيف من أي بلد جاء قبل أن تهتف معه.
شكرًا على «يا هلا»،
وعلى «حيّاكم الله»،
وعلى تلك الروح التي تجعل الضيف يتحول سريعًا إلى واحد من أهل المكان.
شكرًا لأنك لم تقدمي البطولة بوصفها مباريات فقط.
قدمتِ مدينةً كاملة.
وهذا هو المعنى الحقيقي للبطولات الخليجية:
أن يعرف العُماني شارعك،
والكويتي مقهاك،
والبحريني مدرجك،
والقطري حارتك،
والإماراتي بحرَك،
والسعودي — قبل الجميع — أن هذه الأرض جزء من ذاكرته.
ومن جدة.. نلتفت إلى العراق
ثم جاءت اللحظة التي يرفع فيها الخليج عينيه إلى الرافدين.
العراق.
الأرض التي لا تحتاج إلى تعريف حين يتعلق الأمر بالشغف.
أعلن الاتحاد الخليجي لكرة القدم إسناد استضافة خليجي 28 إلى العراق بالإجماع، على أن تقام البطولة في ديسمبر 2028.
وهنا لا نتحدث عن دولة تستضيف بطولة فحسب.
نتحدث عن أرضٍ تعرف معنى أن تكون الكرة جزءًا من نبض الناس.
عن بلدٍ إذا دخلت كرة القدم إلى ملعبه، خرجت من الملعب إلى الشارع، ومن الشارع إلى البيت، ومن البيت إلى الذاكرة.
العراق لا يستقبل خليجي 28..العراق يفتح للبطولة قلبه.
البصرة..يا مدينة الماء والنخيل والجنون الكروي
يا بصرة..
يا ماءً يمشي بين النخيل،
يا ملح شط العرب،
يا رائحة التمر حين تختلط برطوبة المساء،
يا مدينةً تعرف أن للأرض ذاكرة وللناس عشقًا.
في البصرة، للكرة صوت مختلف.
هناك لا يشجع الناس المنتخب فقط..
هناك يهتفون من أعماقهم.
وقد عرفت البصرة معنى كأس الخليج حين استضافت خليجي 25 عام 2023، وتوج العراق باللقب بعد فوزه على عُمان في النهائي.
واليوم تعود الراية إليها.
لكنها لا تعود إلى المدينة نفسها.
تعود إلى مدينةٍ تعرف ماذا يعني أن تأتيها شعوب الخليج، وأن تمتلئ شوارعها بالأعلام، وأن تختلط اللهجات، وأن يصبح المقهى ملعبًا صغيرًا، والشارع مدرجًا، والليل موعدًا للحكايات.
يا أهل العراق..الخليج قادم إليكم
افتحوا الأبواب.
فالقادمين ليسوا غرباء.
سيأتيكم الخليج بألوانه ولهجاته وأغانيه وذكرياته.
سيأتيكم الكويتي بحكايته،
والقطري بحماسه،
والإماراتي برايته،
والبحريني بصوته،
والسعودي بأهازيجه،
والعُماني بالخنجر العمانية،
واليمني بتاريخه العربي
والكويتي بأشرعته
وكل واحد منهم يحمل في قلبه شيئًا من تاريخ هذه البطولة.
وسيأتي العراق ليقول لهم:
أهلًا بكم في بلاد الرافدين.
هنا دجلة والفرات.
هنا النخلة التي تشبه رايةً خضراء في السماء.
هنا أرض الشعر والقصيدة والموّال.
هنا شعب إذا أحب شيئًا أحبه بكامل قلبه.
فكيف إذا كان هذا الشيء كرة القدم؟
بين جدة والبصرة. خيطٌ واحد اسمه الخليج
جدة لها بحرها.
والبصرة لها شطها.
جدة لها أزقتها القديمة.
والبصرة لها نخيلها.
جدة لها مدرجاتها وأنديتها ونجومها.
والعراق له مدرجاته التي تهتز حين يدخل المنتخب.
لكن بين المدينتين شيء لا يراه المسافر من نافذة الطائرة:
قلبٌ خليجي واحد.
فالخليج ليس جغرافيا فقط.
الخليج ذاكرة مشتركة.
نحن شعوب تفهم معنى أن تنتظر المباراة.
تفهم معنى أن يلبس الأب قميص المنتخب ويعطيه لابنه.
تفهم معنى أن يخرج الناس بعد الفوز إلى الشوارع، وأن تصبح السيارات أبواقًا، والرايات أجنحة، والليل طويلًا من شدة الفرح.
ولهذا بقيت كأس الخليج أكثر من بطولة.
إنها موعدٌ تتجدد فيه القرابة.
قصيدة المدن
يا جدةُ، يا عطرَ البحرِ إذا مرَّ على النوافذ،
ويا صوتَ «يا هلا» حين تسبق الخطوةَ إلى الدار.
ويا بصرةُ، يا نخلةً تشرب من دجلة والفرات،
يا مدينةً إذا صاح جمهورها
ارتجف الملعب قبل أن تهتز الشباك.
ما بين بحرٍ ونخلة،
وما بين ملحٍ وماء،
تمشي الحكاية.
وما بين جدة والبصرة
مسافةُ طائرة..
لكنها في القلب:
خطوة.
الخليج..حين يصبح الوطن أكثر من حدود
ربما لهذا أحب الناس كأس الخليج.
لأنها تمنحنا فرصة نرى فيها بعضنا بعضًا بعيدًا عن الخرائط.
نلتقي في المدرج، ثم نختلف تسعين دقيقة، ثم نعود إخوة.
نرفع أعلامنا، نصرخ لمنتخباتنا، نعيش المباراة بكل ما في القلب من حرارة، ثم نتصافح.
وهذه أجمل صورة لكرة القدم:
أن تمنحك خصمًا في الملعب، وصديقًا خارج الملعب.
أن تجعل المنافسة نارًا، لكن لا تجعلها تحرق المحبة.
أن تقول للآخر:
أنا أريد الفوز..
لكنني سعيد لأنك هنا.
من جدة التي أكرمت الضيف..إلى العراق بيت الكرام الذي يشعل المدرج
شكرًا جدة.
على البحر، والذاكرة، والضيافة، والأندية، والنجوم، والأهازيج.
شكرًا لأنك جعلتِ خليجي 27 قصةً تُروى، لا مجرد بطولة تُختتم.
وأهلًا بالعراق.
أهلًا بالبصرة.
أهلًا بالنخيل والماء والقصيدة.
أهلًا ببلدٍ يعرف كيف يحوّل المدرج إلى بحر، والهتاف إلى زلزال، والمباراة إلى ذكرى تعيش سنوات.
جدة سلّمت الراية..والبصرة ستشعلها.
فيا خليج..
شدّوا الأحزمة.
فالموعد القادم ليس مع بطولة فقط.
الموعد مع العراق.
ومع العراق..
للكرة حكاية، وللجمهور حكاية، وللجنون حكاية أخرى.
خليجي 28..يا هلا بالعراق.
يا هلا بالأرض التي إذا أحبّت..أحبّت بصوتٍ يسمعه الخليج كله.
سالم الحبسي
رئيس الاتحاد الخليجي للإعلام الرياضي



