التقارير والحوارات

علي سالم اليزيدي.. من أثير الكويت إلى ذاكرة كأس الخليج

 

الدمام_عبدالله العبيدي

علي سالم اليزيدي كاتب وصحفي وأديب حضرمي، من مواليد مدينة المكلا عام 1952م، ارتبط اسمه بالصحافة والإذاعة والتوثيق الثقافي والرياضي في حضرموت منذ سبعينيات القرن العشرين.

بدأ اليزيدي حياته المهنية في مجال التعليم، قبل أن ينتقل إلى الصحافة والعمل الإعلامي عام 1972م، متنقلًا بين الكتابة والتحرير والمراسلة، إلى جانب تجربته في إذاعة المكلا إعدادًا وتقديمًا للبرامج.

ومع امتداد تجربته، أصبح التوثيق جزءًا أساسيًا من علاقته بالكتابة، فاهتم بتاريخ المكلا وحضرموت وشخصياتها وحياتها الثقافية والفنية والإعلامية، وترك مساحة خاصة للصحافة والرياضة والذاكرة المحلية.
وفي الجانب الأكاديمي، حصل عام 1989م على درجة الماجستير في الصحافة من جامعة مينسك، وواصل بعدها حضوره في العمل الصحفي والثقافي والنقابي.

لكن ذاكرة اليزيدي مع كرة القدم الخليجية بدأت قبل أن يصبح صحفيًا، حين كانت الإذاعة تمثل النافذة الأوسع لمتابعة أخبار الرياضة ومبارياتها.

من الكرة المصرية إلى كأس الخليج

يتذكر اليزيدي أن الكرة المصرية كانت حاضرة بقوة في وجدان أبناء حضرموت خلال سبعينيات القرن الماضي. كان الجمهور يتابع أخبار الأهلي والزمالك والترسانة والأولمبي وبورسعيد، ويتعرف على نجوم الكرة المصرية من خلال الصحف والمجلات والإذاعات.

وفي حضرموت كانت كرة القدم حاضرة أيضًا، وبرز عدد من اللاعبين الذين بقيت أسماؤهم في ذاكرة الكرة الحضرمية، في ظل النشاط الرياضي الذي شهدته الأندية خلال تلك المرحلة.

ثم جاءت كأس الخليج لتفتح نافذة جديدة على الكرة الخليجية.

مع انطلاق البطولة عام 1970م، بدأ الجمهور الحضرمي يتعرف بصورة أوسع على منتخبات الخليج وأنديتها ونجومها، وأصبحت المنافسات الخليجية موضوعًا حاضرًا في النقاشات الرياضية اليومية.

وكانت إذاعة الكويت إحدى أبرز النوافذ التي تابع من خلالها أبناء حضرموت تفاصيل البطولة، إلى جانب إذاعة جدة وإذاعة عدن وبعض الإذاعات العربية.

ويستعيد اليزيدي حضور المعلق خالد الحربان، الذي ارتبط بصوت المباريات الخليجية لدى أجيال من المستمعين، وكيف كان صوت المعلق ينقل أجواء الملعب إلى البيوت ويمنح المستمع فرصة معايشة المباراة لحظة بلحظة.

خليجي 1.. حين كان الراديو ملعبًا آخر

في تلك السنوات، كانت المتابعة الرياضية تجربة تعتمد على الأذن والخيال والذاكرة.

كان المستمع يرسم صورة المباراة في ذهنه من خلال وصف المعلق، ويتابع أخبار البطولة عبر الإذاعة والمجلات الرياضية التي تصل من الكويت.

ويذكر اليزيدي أن مجلة «الرياضي» الأسبوعية كانت من المصادر التي ينتظرها المتابعون، بما تحمله من صور وأخبار وتقارير عن الأندية والمنتخبات الخليجية.

ومع كأس الخليج، اتسعت دائرة المعرفة الرياضية لدى الجمهور الحضرمي، وانتقلت اهتماماته من الكرة المصرية إلى متابعة منتخبات السعودية والكويت وقطر والبحرين وعُمان، والتعرف على نجومها وتاريخها الكروي.
وهكذا أصبحت البطولة مساحة جديدة للتعرف على المشهد الرياضي الخليجي، وبدأت معها نقاشات رياضية واسعة بين المتابعين.

الصحافة.. مدرسة التفاصيل

كان اليزيدي يعيش في الوقت نفسه تجربة مختلفة داخل الصحافة.

يصف مرحلة الصحافة الورقية بأنها مدرسة حقيقية للصحفي، فالخبر والتحقيق والمقابلة والتقرير كانت تعتمد على قدرة الكاتب على المتابعة والكتابة والوصف.

وفي تغطية المباريات تحديدًا، كان الصحفي يجلس بورقته وقلمه، يسجل تفاصيل المباراة دقيقة بدقيقة، ويتابع حركة اللعب والفرص والأهداف والتبديلات، ثم يحول تلك التفاصيل إلى وصف يجعل القارئ يعيش أجواء المباراة من خلال الكلمات.

كانت الذاكرة عنصرًا أساسيًا في هذه التجربة، إلى جانب الثقافة الرياضية والقدرة على الوصف والدقة في نقل التفاصيل.

ويستعيد اليزيدي تلك المرحلة باعتزاز، معتبرًا أنها صنعت جيلًا من الصحفيين الذين تعلموا المهنة بالممارسة والملاحقة اليومية للأحداث.

من المكلا إلى صحف عدن

عمل اليزيدي في صحيفة «الشرارة»، كما تعاون مع صحف في عدن وخارجها، وكان إرسال المادة الصحفية من المكلا إلى الصحف رحلة تحتاج إلى وقت وجهد.

كان الصحفي ينجز المادة، ثم يبحث عن وسيلة لإيصالها في الموعد المناسب. وفي بعض الأحيان كانت الرحلة تبدأ مع الفجر بحثًا عن حافلة متجهة إلى عدن، أو يتم تسليم المواد والصور لمسافرين على متن الطائرات.

ثم يعود الصحفي إلى المكلا، ويستكمل كتابة مواده لتكون جاهزة للإرسال في اليوم التالي.
كانت المسافة جزءًا من العمل الصحفي، وكانت كل مادة تصل إلى الصحيفة تحمل معها جهدًا مضاعفًا من الملاحقة والكتابة والإرسال.

إذاعة المكلا.. من المتابعة إلى النقل

ومع تطور التجربة الرياضية والإعلامية في المكلا، بدأت فكرة نقل المباريات من داخل المدينة تأخذ مساحة أكبر.

يتذكر اليزيدي أن التفكير في نقل المباريات عبر إذاعة المكلا جاء من رغبة في تقديم تجربة رياضية مباشرة للجمهور المحلي.
وبالتعاون مع إدارة الإذاعة، بدأت المحاولات لنقل المباريات من ملعب بارادم، مستخدمين الإمكانات المتاحة في ذلك الوقت، وفي مقدمتها الاتصال الهاتفي.

كان النقل الرياضي يعتمد على وسائل تقنية محدودة مقارنة بما هو متاح اليوم، إلا أن التجربة شكلت محطة مهمة في تاريخ الإعلام الرياضي المحلي، ونقلت الجمهور من متابعة المباريات عبر إذاعات خارجية إلى الاستماع إلى أصوات تنقل الحدث من ملعب المكلا نفسه.

كأس العالم.. والمباراة التي تصل مسجلة

يتذكر اليزيدي كذلك تجربة متابعة كأس العالم عام 1982م، حين كانت المباريات تصل إلى الجمهور عبر التسجيل وإعادة البث.

كان المشاهد يتعامل مع المباراة المسجلة بحماس المباراة المباشرة، ويتابع تفاصيلها وكأنه يعيش الحدث في لحظته.
ومع انتشار أشرطة الفيديو، اتسعت دائرة المشاهدة الرياضية، وأصبح الجمهور في المكلا يتابع مباريات الدوري السعودي، ومنها مواجهات الأهلي والاتحاد، عبر أشرطة الفيديو التي كانت تصل إلى المدينة.
وهكذا انتقلت الرياضة من عالم الأثير إلى عالم الصورة، خطوة بعد أخرى.

من الورقة والقلم إلى الشاشة

يرى اليزيدي أن الإعلام الرياضي قطع مسافة واسعة خلال العقود الماضية.

في الماضي كان الصحفي يحتاج إلى ملاحقة الحدث، وتسجيل التفاصيل، وكتابة المادة، ثم البحث عن وسيلة لإرسالها إلى الصحيفة.

أما اليوم، فأصبح نقل المباراة والمعلومة والصورة يتم في لحظتها، وتعددت القنوات والمنصات ووسائل الوصول إلى الجمهور.

وبين المرحلتين، يرى اليزيدي أن التجربة القديمة أسهمت في صناعة صحفيين امتلكوا مهارات الكتابة والوصف والملاحظة، وجعلت من العمل الصحفي اختبارًا يوميًا للقدرة على التعامل مع التفاصيل.

اليمن وكأس الخليج

ويتوقف اليزيدي عند مشاركة اليمن في كأس الخليج، معتبرًا حضور المنتخب اليمني محطة مهمة في مسيرة البطولة، ومنصة لتطوير كرة القدم اليمنية والتعرف بصورة أوسع على تجارب الكرة الخليجية.

ويرى أن مشاركة اليمن منحت اللاعبين والجماهير مساحة إضافية للحضور والتفاعل مع البطولة، وفتحت أمام الكرة اليمنية تجربة رياضية خليجية واسعة.

كما يستعيد العلاقات الرياضية التي تجمع أبناء المنطقة، ويشير إلى الحضور الاجتماعي الذي صنعته كرة القدم عبر عقود من البطولات واللقاءات.

خمسون عامًا من التطور

وبعد أكثر من خمسة عقود على انطلاق كأس الخليج، يتابع اليزيدي مسيرة البطولة بعين الصحفي والمهتم بالرياضة.

ويرى أن البطولة تطورت في الملاعب والتنظيم والإعلام وطرق إعداد المنتخبات، فيما تبقى الكرة الخليجية بحاجة إلى مواصلة تطوير اللاعبين وإبراز المواهب القادرة على صناعة الفارق.

ويأمل أن تواصل المنتخبات الخليجية بناء أجيال جديدة من اللاعبين أصحاب القدرات الفنية، وأن تستفيد من الإمكانات الكبيرة التي تمتلكها المنطقة في تطوير اللعبة.

خليجي الديار العربية 2027 جدة.. فصل جديد من الحكاية

من إذاعة الكويت التي حملت أخبار خليجي 1 إلى حضرموت، إلى إذاعة المكلا التي خاضت تجربة نقل المباريات من ملعب بارادم، ثم إلى الصحافة الورقية وأشرطة الفيديو، وصولًا إلى القنوات والمنصات الرقمية؛ عاش علي سالم اليزيدي مراحل متتابعة من تطور الإعلام الرياضي.

وبقيت كأس الخليج في قلب هذه الذاكرة، بطولة تعرّف من خلالها الجمهور الحضرمي على نجوم ومنتخبات الخليج، وتوسعت معها مساحة الاهتمام بكرة القدم في المنطقة.

واليوم، ومع استعداد جدة لاستضافة خليجي الديار العربية 27، ينظر اليزيدي إلى البطولة بذاكرة تمتد إلى سبعينيات القرن الماضي، ويتمنى أن تنجح الدورة وتظهر بالصورة الجميلة التي يطمح إليها الجميع.

من صوت خالد الحربان عبر إذاعة الكويت، إلى وصف المباراة بالقلم والورقة، ومن هاتف إذاعة المكلا إلى البث الرياضي الحديث، رحلة تختصر أكثر من خمسة عقود من تطور كرة القدم والإعلام.

رحلة عاشها علي سالم اليزيدي صحفيًا ومتابعًا وموثقًا، وظلت فيها كأس الخليج واحدة من أبرز المحطات التي وسعت ذاكرة الرياضة في حضرموت، وفتحت أمام أجيالها نافذة واسعة على ملاعب الخليج.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com