التقارير والحوارات

من خليجي 1 إلى خليجي 27.. حكاية بطولة عاشها جيل بعد جيل، وكتب تفاصيلها اللاعبون والإعلاميون والجماهير والمدن

 

الدمام – عبدالله العبيدي

في مكان ما من البحرين، عام 1970، كان هناك من يجلس أمام مذياع صغير، ينتظر صوت المعلق ليعرف ماذا يحدث في الملعب.

لم تكن الصورة تصل إلى الجميع، ولم تكن الهواتف تعرف طريقها إلى المدرجات، وكانت الصحيفة تنتظر حتى اليوم التالي لتروي ما جرى. لكن ذلك الصوت القادم من المذياع كان كافيًا ليصنع مباراة كاملة في خيال المستمع، ويترك في ذاكرته لحظة لا تُنسى.

من هناك بدأت الحكاية.

أكثر من خمسة عقود مرت منذ خليجي 1. تغيرت الملاعب، وتبدلت الأجيال، وتطورت المنتخبات، وتغيرت طريقة مشاهدة المباراة وتوثيقها. انتقلت البطولة من الراديو إلى الصحيفة، ومن الشاشة الصغيرة إلى القنوات الفضائية، ثم إلى الهاتف الذي أصبح اليوم يحمل المباراة وصورتها وفيديوها وتفاعل جمهورها في اللحظة نفسها.

لكن شيئًا واحدًا بقي حاضرًا: ذلك الشعور الذي تصنعه كأس الخليج عندما تلتقي المنتخبات، وتمتلئ المدرجات، وترتفع الأعلام، ويبدأ الهتاف.

ثمانية أصوات.. وجه واحد للذاكرة

خلال هذه السلسلة، لم نبحث عن تاريخ البطولة في سجلات النتائج وحدها، بل ذهبنا إلى من عاشوا تفاصيلها، كل من زاويته.

جاء جعفر محمد من الملعب، لاعبًا في خط وسط القادسية، ثم انتقل إلى استديوهات الحوار، ليحمل معه ذاكرة لاعب وإعلامي عاش البطولة من جهتين.

ومن مدرجات البحرين، استعاد جمال بوشقر صورة خليجي 1، حين كان فتى في الثالثة عشرة يتابع بداية الحدث الخليجي من مكان قريب من اللاعبين والجمهور.

وحمل علي المحمود ذاكرة بدأت مع صوت الراديو، قبل أن تنتقل به الرحلة إلى العمل مع المنتخب القطري، حيث أصبحت البطولة جزءًا من مسيرته الرياضية والإدارية.

ومن داخل المراكز الإعلامية واللجان المنظمة، فتح جاسم الياقوت نافذة على زمن كان فيه الصحفي يحمل أوراقه وأدواته إلى الملعب، ثم شاهد كيف تبدلت المهنة مع تغير وسائل الإعلام.

أما محمد الجوكر، فاستعاد صفحات من ذاكرة الكرة الإماراتية والخليجية، من البدايات والمشاركة الإماراتية الأولى في الرياض، إلى أسماء صنعت حضورها في البطولة على امتداد السنوات.

ومنذ خليجي 10، ظل سالم الحبسي قريبًا من الحدث، متنقلًا مع الصحافة الرياضية بين الملاعب والمدرجات ومراكز الإعلام، وشاهدًا على انتقال الإعلام الخليجي من الورق إلى العصر الرقمي.

وفي الذاكرة العراقية، عاد إياد الصالحي إلى الدوحة عام 1976، ثم إلى بغداد ومسقط والرياض والبصرة، مستحضرًا أجيال النجوم وعمو بابا والجيل الذهبي، وصولًا إلى المشهد الجماهيري الذي رافق خليجي 25.

ومن حضرموت، أخذنا مع علي سالم اليزيدي طريقًا آخر للذاكرة؛ بدأ من أثير إذاعة الكويت وصوت خالد الحربان، ومر بالصحافة الورقية وإذاعة المكلا، قبل أن يصل إلى الصورة والبث والمنصات الرقمية.

ثمانية أصوات، وثمانية طرق إلى البطولة.

لكن ما جمعها لم يكن مجرد مباراة أو دورة، بل زمن كامل عاشته كأس الخليج مع الناس.

حين كان الصوت يصنع الصورة

في البدايات، لم يكن المشجع بحاجة إلى شاشة كي يعيش المباراة.

كان صوت المعلق يكفي.

نبرة ترتفع مع الهجمة، وصمت يسبق التسديدة، وصيحة تأتي بعد الهدف، فتتحول الكلمات في ذهن المستمع إلى صورة.

ثم جاءت الصحيفة في اليوم التالي لتضيف ما لم تستطع الأذن أن تراه: صورة، ونتيجة، وحوارًا، وقصة من المدرج أو غرفة الملابس.

وبعدها دخل التلفزيون، ثم الفضائيات، فأصبحت المباراة تصل إلى البيوت بالصوت والصورة.

واليوم، يكفي هاتف واحد ليحمل المباراة والصورة والهتاف والهدف وردة فعل الجمهور في اللحظة نفسها.

تغيرت الأدوات، لكن الذاكرة بقيت.

كل جيل وجد طريقته الخاصة في الاحتفاظ باللحظة.

المدرج الذي لم يتغير
ربما تغير كل شيء حول المدرج، إلا جوهره.

في البداية كانت أعلام وتصفيق وهتافات بسيطة، ثم ظهرت روابط المشجعين، وانتظمت الأهازيج، وحضرت الطبول والمرواس، وكبرت الصورة مع اللوحات الجماهيرية والتيفو.

ثم جاء الهاتف ليأخذ المدرج إلى ما وراء حدود الملعب.

أصبح الهتاف صورة، والصورة فيديو، والفيديو ذاكرة تنتشر في دقائق.

ومع ذلك، يبقى المشهد نفسه

علم يرتفع

جمهور يهتف

لاعب ينظر إلى المدرج

وصوت يعلو عندما تقترب الكرة من المرمى

مدن كتبت أسماءها في الدفتر
لم تكن كأس الخليج بطولة ملاعب فقط

كانت أيضًا بطولة مدن

البحرين، والكويت، وأبوظبي، والرياض، والدوحة، ومسقط، وعدن، والبصرة وغيرها، احتفظت كل واحدة منها بجزء من الحكاية

في كل مدينة، تركت البطولة شيئًا خلفها
مباراة لا تُنسى، لاعبًا لمع اسمه، صوت معلق ارتبط بالدورة، أو مدرجًا بقيت صورته في الذاكرة

ولهذا يصعب فصل تاريخ كأس الخليج عن المدن التي احتضنتها

فالمدينة لا تستضيف المباراة فقط؛ إنها تمنحها صوتها ولونها وذاكرتها

جدة.. حين تلتقي الأزمنة

والآن تصل الحكاية إلى جدة في خليجي الديار العربية 27

لا تأتي البطولة إلى المدينة وحدها، بل تأتي معها كل تلك السنوات

يأتي معها صوت المذياع القديم، وصورة الصحيفة، وشاشة التلفزيون، وصوت المعلق، وذكريات المدرجات، ثم الهاتف الذي يحمل كل شيء في لحظة واحدة

في جدة، يلتقي جيل تابع خليجي 1 عبر الراديو بجيل يتابع خليجي الديار العربية 27 عبر شاشة صغيرة يحملها في يده

يلتقي الماضي بالحاضر دون أن يلغي أحدهما الآخر

القميص الوطني ما زال هو القميص

والعلم ما زال هو العلم

والهتاف، مهما تغيرت طريقته، ما زال يبحث عن اللحظة نفسها

لحظة أن يشعر المشجع بأن فريقه ليس وحده في الملعب

والدفتر لا يغلق
ربما لهذا السبب لا تنتهي كأس الخليج بانتهاء المباراة.

فالنتيجة تُكتب في السجل، لكن التفاصيل تذهب إلى مكان آخر إلى ذاكرة لاعب، وصورة في صحيفة قديمة، وصوت معلق ظل عالقًا في أذن مشجع، ومدرج احتفظ بهتافه، وحكاية يرويها أب لابنه عن مباراة شاهدها قبل سنوات طويلة

لهذا جاءت هذه السلسلة عبر ثمانية أصوات؛ لأن ذاكرة البطولة لا يملكها شخص واحد، ولا مدينة واحدة، ولا جيل واحد

كل واحد منهم يحمل جزءًا من الحكاية

بدأت في البحرين عام 1970، وكبرت دورة بعد أخرى، وانتقلت من مدينة إلى أخرى، ومن صوت إلى صوت، حتى وصلت إلى جدة في خليجي الديار العربية 27

لكن الدفتر لا يغلق

فقد أسند اتحاد كأس الخليج العربي تنظيم خليجي 28 إلى العراق، لتبدأ هناك صفحة جديدة، بمدرجات وأصوات وذكريات جديدة

ومن أثير البحرين عام 1970 إلى مدرجات جدة في خليجي الديار العربية 27، تواصل كأس الخليج رحلتها من جيل إلى جيل.
فالسنوات تمضي، واللاعبون يتغيرون، والمدن تتعاقب، ووسائل الإعلام تتبدل

لكن عندما يرتفع العلم، ويمتلئ المدرج، ويعلو الهتاف… تبدأ الحكاية من جديد..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com