نبيله السهلي تكتب:”كيف تصنع كذاباً صغيراً؟”

نحن الآباء والأمهات والكبّار نلقي خطباً عصماء كل يوم عن الصدق وأهميته المطلقة. نرفع أصابعنا بالتحذير، ونشرح للصغار بحماس أن الكذب يقطع حبل النجاة، ويفقد الإنسان احترام الجميع. لكن المشهد المضحك والمبكي في آن واحد هو أننا نمارس هذا التنظير الأخلاقي اليومي ونحن نقف بثبات على جبل متين من “الكذب التكتيكي الأنيق”.
يرن هاتف الأم، فتسحب يدها بمهارة وتهمس لصغيرها: “خذ الهاتف وقول لها ماما نائمة”، ثم تنظر إليه بعينين ملؤهما الحنان وتقول: “وإياك أن تكذب يا حبيبي، فالكذب يهدي إلى الفجور!”. وفي موقف آخر، يسأل الطفل بفضول: “بابا، لماذا أكلت الشوكولاتة الخاصة بي؟”، فيجيب الأب دون أن يطرف له جفن وهو يمسح آثار الكاكاو عن فمه: “لم آكلها يا بني، لقد جاء قط قاطع طريق وأخذها وهرب من النافذة!”.
نطلب من أطفالنا الشجاعة والشفافية التامة، بينما نستخدم “الشرطي اللي عند الباب” و”الغول اللي في الدولاب” كحلول سريعة وسحرية لإجبارهم على إنهاء صحن الخضار أو النوم في التاسعة مساءً. نحن نعلمهم في الصباح أن الصدق فضيلة، ثم نثبت لهم في المساء بالدليل القاطع أن الكذب أداة منزلية ممتازة لتفادي الإحراجات الاجتماعية!
الطفل ليس كائناً بسيطاً كما نظن؛ إنه جهاز تسجيل ذكي يعمل بدقة عالية. يرى والده يخبر الجار على الهاتف بأنه خائض في زحام الشوارع، بينما هو يتمدد بالبيجامة على الأريكة، فيستوعب الصغير الدرس فوراً: الصدق ممتاز في كتب التربية، أما في الحياة الواقعية فالكذبة “البيضاء” هي التي تسير الأمور بسلام.
لكن الأمان الحقيقي والقدوة الصادقة تظهر حين نمنح أبناءنا المساحة والشجاعة ليعترفوا بأخطائهم دون خوف. أتذكر أخي الأكبر قال كلمته الذكية والعميقة حين قال لي يوماً: “لو هددكِ أحدٌ يوماً بأنه سيخبرني بخطأ قمتِ به، تعالي وأخبريني أنتِ بنفسك.. فعقابي لكِ -إن عاقبتكِ- لن يكون أبداً بحجم الخطر والابتزاز الذي سيجركِ إليه ذلك الشخص، ليقودكِ إلى خطأ أكبر وأسوأ من خطئك الأول!”.
هذه هي التربية الحقيقية؛ أن نكون الملاذ الآمن لأطفالنا، لا السوط الذي يفرون منه إلى الكذب والخوف. أن نعلمهم أن الخطأ وارد، لكن المواجهة والصدق هما طوق النجاة. إذا أردنا جيل صادقاً بالفعل، فعلينا أولاً أن نتقاعد عن ممارسة مهنة الساحر المخادع، وأن نفتح أبواب الأمان ليعرف الصغير أن أحضاننا أرحب من أي ابتزاز، وأن صدقه معنا -مهما كان الخطأ- هو بر الأمان الأول والخير الأبدي.



