الكرة السعودية

الثبات الانفعالي والتهيئة النفسية تؤهل الأخضر لكسب خليجي 27

الرس: سامي السلامة

المتتبع لمشوار المنتخب السعودي في خليجي 27، يلحظ أن هناك ثبت نفسي كبير يواكب نجومه وبقية أفراد الطاقم الفني والإداري، في بطولة يبقى فيها (العامل النفسي التنافسي) هو أهم طريق لكسب هذه البطولة، والدليل ان النسخ الـ27 كانت فيها التهيئة النفسية أهم عامل للتفوق، وبه عرفت الكويت كيف تضيف لقوة منتخبها ذلك طوال أربع نسخ متتالية ثم تابعت ذلك لاحقا لتصل على 10 بطولات في بعضها لم يكن (الأزرق) هو القوى، بل هو (الأجهز نفسيا) للتتويج.
الجيل الحالي من نجوم الأخضر يتمتع بقوة وثبات نفسي وذهني كبير اثبتت مباراة قطر في نصف النهائي، التي أقفل فيها نجوم (العنابي) اللعب وسيروا المباراة بشكل رئيسي نحو ركلات ترجيح كانوا يعتقدون أن الضغوط التي خسرها بها الأخضر سابقا في مثل هذه المواقف ستكون في صالحهم، ولكن ماحدث هو العكس تماماً، فكان الثبات الانفعالي للاعبي الأخضر المسددين للركلات واضحاً والثقة كبيرة، وإن رفض الحظ تسجيل الخبير فراس البريكان لركلته على غير العادة، وخان التقدير حسان تمبكتي، عند التنفيذ، لكن هذا يحدث دوما ًمع نجوم متخصصين يخونهم التقدير والتنفيذ، ورغم ذلك لم يتأثر المنتخب وسار نحو المجد.
هذا الثبات الانفعالي المتولد من عمل إداري كبير، مع دعم جماهيري هائل متميز بالحيوية والحماس، يجعل المنتخب السعودي قريباً من التتويج الرابع رغم قوة المنافس الإماراتي، كما حدث في نسخة2002 بالرياض، وفاز بها الأخضر.

*نجوم الجيل الحالي لا يؤمنون بالعقدة*

من خلال ما لمسه الجميع في مسيرة المنتخب وما لاحظه المقربون، فإن غرفة ملابس المنتخب السعودي تشهد حراكاً لا يعتمد على الأقدام، بل على صياغة العقلية الذهنية وتفكيك واحدة من أعقد (العُقد التاريخية) في كرة القدم الخليجية وهي عقدة خسارة 5 نهائيات متتالية بنظام خروج المغلوب.
وما يميز المجموعة الحالية للمنتخب السعودي، هو “النقاء النفسي” من ترسبات الماضي،فالكثير من عناصر التشكيلة الأساسية يمتلكون عقلية مغايرة؛ عقلية لا تلتفت للخلف وتثق في قدراتها الفردية والجماعية بشكل كامل، وضح ذلك في الهدوء والثبات الانفعالي الذي أظهره الفريق في مباراة نصف النهائي الأخيرة، وهذا التحرر النفسي الذي يعيشه اللاعبون الآن، يمنحهم ميزة إضافية لدخول أرضية الملعب بأقدام خفيفة وعقول صافية، تاركين وراءهم عبء نصف قرن من الضغوطات على عتبات بوابات الملاعب، ليدخلوا ملعب الانماء وهم في قمة النقاء.

عملياً، هناك مؤشرات واضحة وملموسة جداً رصدها المحللون والجمهور داخل الميدان وخارجه طوال مسيرة الأخضر في خليجي 27، تؤكد أن هذا النجاح لم يكن وليد الصدفة، بل نتاج عمل ذهني مكثف.

*مؤشرات نجاح منظومة الأخضر في خليجي 27*

1- الهدوء الشديد بعد “ماراثون لقاء قطر”
في مواجهات نصف النهائي التاريخية، كان التوتر حليف المنتخب السعودي، التراجع اللياقي والنفسي إذا امتدت المباراة للأشواط الإضافية، لكن ما ظهر ضد قطر كان ثباتاً انفعالياً واضحاً، ففي 120 دقيقة كاملة برز الثبات دون ارتكاب أخطاء كبيرة ناتجة عن الضغط النفسي، ودخل ركلات الترجيح بملامح هادئة تماماً تعكس ثقة عالية تم زرعها في المعسكر.
2- تدابير حماية اللاعبين من “فخ الإعلام”
لوحظ عملياً في المؤتمرات الصحفية ولقاءات منطقة التصريحات في (منصة التصريحات) أن لاعبي الأخضر والجهاز الفني، كانوا يرفضون تماماً الانسياق وراء نغمة “رد الثأر”، أو العبارات الحماسية الزائدة التي تضخمها وسائل الإعلام وانصب  التركيز في حديث اللاعبين، على العبارات الواقعية مثل: “نحن نلعب كل مباراة على حدة”. هذا الأسلوب هو تطبيق عملي لعزل اللاعبين عن الضغوط الخارجية.
3- التوازن وعدم الغرور بعد “العلامة الكاملة”
تصدر المنتخب السعودي مجموعته القوية (التي ضمت العراق، وعُمان، والكويت) برصيد 9 نقاط كاملة ودون استقبال أي هدف، في البطولات السابقة، كان هذا النوع من الانتصارات المتتالية في البدايات يصيب بعض الجيل الشاب بنوع من التراخي أو الثقة المفرطة، لكن استمرار الانضباط التكتيكي والقتالية في الأدوار الإقصائية أثبت أن اللاعبين تم شحنهم ذهنياً بعقلية “البطولة لم تبدأ بعد”.
4- لغة الجسد عند إضاعة الفرص
خلال المباريات، حين تضيع فرصة محققة أو يمر الفريق بدقائق ضغط من الخصم، لم نعد نرى نبرة اللوم السريع بين اللاعبين أو النرفزة المعتادة، فكاتت لغة الجسد السائدة الدعم الفوري، والتصفيق، وإعادة التمركز سريعاً، وهي إشارة واضحة على عمل المعد النفسي لتفعيل مفهوم “التماسك الجماعي تحت الضغط”.

*عزل شبح الماضي استراتيجية في غرف الملابس ألغت إرث سلبي كبير*

منذ أن دخل نظام المجموعات والأدوار الإقصائية كاس الخليج، بات التأهل إلى النهائي بمثابة خطوة نفسية محفوفة المخاطر للمنتخب السعودي، والكثير يهمس دائماً في آذان اللاعبين بقصص الإخفاقات الخمسة الشهيرة:

<span;><span;>- خيبة 1974 أمام الكويت برباعية.

<span;><span;>- صدمة ركلات الترجيح في مسقط 2009.

<span;><span;>- التمديد القاتل ضد الكويت في اليمن 2010.

<span;><span;>- خسارة الأرض والجمهور في الرياض 2014 أمام قطر.

<span;><span;>- السقوط المفاجئ في الدوحة 2019 أمام البحرين في النهائي.

<span;><span;>- خسارة التأهل للنهائي أمام عمان في آخر دورة (26خليجي) رغم افضلية الأخضر.

هذا الإرث المتراكم لم يكن مجرد أرقام في كتب التاريخ، بل تحول عبر السنوات إلى “ضغط إعلامي وجماهيري مكثف” يطوق أعناق اللاعبين فور إطلاق صافرة نهاية مباراة نصف النهائي، لكن ماحدث في جدة مخالف تماماً فكان (عزل التاريخ السابق استراتيجية غرف الملابس) فخلف الكواليس في استاد الانماء، قاد الجهاز الفني للمنتخب السعودي بالتعاون مع المُعد النفسي والذهني للفريق معركة حقيقية لفصل الجيل الحالي عن خط الزمن القديم. لم تكن المهمة سهلة، لكنها اعتمدت على ركيزتين أساسيتين:
1- منع صناعة “الفقاعة الذهنية” و” فقاعة النجم الوحد”
تم فرض منع جزئي على متابعة البرامج الرياضية الحوارية ومنصات التواصل الاجتماعي التي تضخم مصطلح “العقدة”. الهدف كان واضحاً: منع تسلل التوتر الخارجي إلى ذهن اللاعب الشاب، وكذلك صناع نجومية فدرية مطلقة تتسبب في حساسية بين اللاعبين.
2- سياسة “المباراة المعزولة”:
داخل غرف الملابس، تم التعامل مع نهائي الثلاثاء القادم ضد الإمارات على أنه “مباراة واحدة مدتها 90 دقيقة فقط”، ولدت اليوم ولا علاقة لها بأي تاريخ سابق، ويتم إقناع اللاعبين بأن جيل البريكان الحمدان والعويس، وزملائهم لم يكونوا حاضرين في 1974 أو حتى 2010، وبالتالي فإنهم غير مسؤولين عن دفع فاتورة الماضي.
*بطولة مهمة طال انتظارها والجيل الحالي مرشح لها*
تسعون دقيقة لكتابة تاريخ جديد، ينتظره كل محبو الأخضر، ونجاح المُعد النفسي والجهاز الفني في فك الشفرة النفسية للاعبين سيكون هو الورقة الرابحة الحقيقية في نهائي خليجي 27. فالتكتيك قد يمنحك الأفضلية فوق الميدان، لكن الثقة الذهنية والتحرر من أشباح الماضي هما وحدهما من يقودان القائد السعودي لمنصة التتويج حاملاً اللقب الغائب، ليعلن رسمياً نهاية “إرث سلبي سابق” وولادة عهد جديد لـ “الأخضر، كان اختبار ركلات الترجيح امام قطر، الدليل القاطع عللا كسر صدمة 2009 التي افقدت كاسا مستحقا للمنتخب.
فقد كانت ركلات الترجيح تمثل كابوساً نفسياً ممتداً للأخضر في النهائيات (مثل خسارة لقب 2009 الشهير أمام عُمان بركلات الترجيح) لكن في هذه النسخة، وعندما احتكم الفريقان لـ “ركلات الحظ” بعد تعادل سلبي ماراثوني طوال 120 دقيقة، لم يتسلل الذعر للاعبي السعوديينـ بل كانت برودة الأعصاب والهدوء الشديد الذي نفذ به اللاعبون الركلات، وتألق الحارس محمد العويس في التصدي لركلتين، يعكس بوضوح نجاح استراتيجية الإعداد الذهني، فلم يدخل  اللاعبون ركلات الترجيح مثقلين بأشباح الماضي، بل دخلوها بثقة جيل يثق بأنه يكتب سطوره الخاصة، وهو ما تجلى في هدوء مختار علي وهو يسدد الركلة الحاسمة التي أعلنت العبور للنهائي، وقوة شخصية وحماس العويس وهو يتصدى لركلة ترجيح خوخي بوعلام مرتين بعد إعادتها وتسديدة الحمدان الافتتاحية المهمة، وهدوء الخبير محمد كنو وهو يلعب ركلته بإتقان دون عصبية او توتر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com