نعمان عبدالغني يكتب:” الرياضات التراثية العربية… مجال للاستثمار الواعد”

تُمثّل الرياضات التراثية العربية إرثًا حضاريًا وثقافيًا عريقًا، يعكس هوية المجتمعات العربية وارتباطها ببيئتها الصحراوية والريفية، كما تجسّد جانبًا مهمًا من تاريخها الاجتماعي وقيمها الأصيلة. ولم تعد هذه الرياضات مجرد ممارسات تقليدية تُستحضر في المناسبات والمهرجانات، بل أصبحت مجالًا واعدًا للاستثمار الاقتصادي والسياحي والإعلامي، يمكن أن يسهم في تحقيق التنمية المستدامة، وخلق فرص العمل، وتعزيز حضور الثقافة العربية على المستوى الدولي.
أبرز الرياضات التراثية العربية
تتنوع الرياضات التراثية العربية بتنوع البيئات والثقافات المحلية، ومن أبرزها الفروسية وركوب الخيل، اللتان ارتبطتا تاريخيًا بالشجاعة والفروسية والمهارات القتالية، وأصبحتا اليوم مجالًا للمنافسات الرياضية وتربية الخيول العربية الأصيلة. كما تحتل سباقات الهجن مكانة متميزة في عدد من الدول العربية، إذ تطورت من ممارسة مرتبطة بالتنقل والحياة البدوية إلى منافسات منظمة تستقطب الجماهير والرعاة والاستثمارات.
وتُعدّ الصقارة من أبرز مظاهر التراث العربي، لما تتطلبه من خبرة في تدريب الصقور والعناية بها، في حين تمثل الرماية التقليدية امتدادًا لمهارات تاريخية ارتبطت بالدفاع والصيد. وإلى جانب ذلك، تحافظ المصارعة التقليدية وشد الحبل وغيرها من الألعاب الشعبية على حضورها في المناسبات المحلية، بوصفها أنشطة تعزز التنافس والتواصل الاجتماعي والانتماء الثقافي.
من المحافظة على التراث إلى الاستثمار المستدام
يتطلب تطوير هذه الرياضات الانتقال من تنظيم مهرجانات موسمية محدودة إلى بناء منظومة رياضية واقتصادية متكاملة، تقوم على التخطيط الاستراتيجي، والحوكمة الرشيدة، وتنويع مصادر التمويل، والتسويق الحديث. ويستلزم ذلك التعاون بين الحكومات والاتحادات الرياضية والقطاع الخاص والمستثمرين، مع الحفاظ على أصالة هذه الرياضات واحترام خصوصيتها الثقافية والبيئية.
أولًا: الحوكمة والتحول المؤسسي
تُعدّ الحوكمة نقطة الانطلاق لبناء بيئة استثمارية موثوقة، من خلال تطوير الأطر القانونية والتنظيمية، وتأسيس أندية وشركات متخصصة، وتحديد حقوق الملكية والتراخيص والمسؤوليات المالية والإدارية. كما ينبغي توحيد اللوائح المنظمة للمنافسات، وتعزيز الشفافية، وتطبيق معايير النزاهة والسلامة وفض النزاعات. ويساعد توثيق الأصول والعلامات التجارية وحقوق البطولات في توفير المعلومات الضرورية للمستثمرين وتقييم المخاطر والعوائد بصورة أكثر دقة.
ثانيًا: تطوير المنتج الرياضي التراثي
إن تحويل المنافسات إلى دوريات منتظمة ذات روزنامة سنوية واضحة يمنحها قيمة تسويقية أكبر، ويضمن استمرارية حضورها الإعلامي والجماهيري. ويمكن تنظيم مسابقات بمستويات مختلفة، وتطوير أنظمة النقاط والتصنيف، وإنشاء هويات تجارية مستقلة للأندية والفرق، مع دراسة نماذج الامتياز الرياضي بما يتناسب مع طبيعة كل رياضة والتشريعات المحلية. ويسهم هذا التنظيم في جذب الرعاة وبناء قاعدة جماهيرية مستدامة.
ثالثًا: تنويع مصادر الإيرادات
لا ينبغي أن يقتصر تمويل الرياضات التراثية على الدعم الحكومي أو رسوم المشاركة، بل يجب تنويع موارده عبر حقوق البث التلفزيوني والرقمي، والرعاية التجارية، وحقوق تسمية البطولات والمنشآت، وبيع المنتجات المرتبطة بالهوية التراثية. كما يمكن دمج المنافسات ضمن برامج السياحة الرياضية والثقافية، من خلال تنظيم رحلات وتجارب تراثية ومناطق ترفيهية، بالتعاون مع مؤسسات الضيافة والفنادق ووكالات السفر.
وتمتد الفرص الاستثمارية إلى الصناعات المساندة، مثل إنتاج المعدات والملابس التقليدية، وتطوير خدمات التدريب والرعاية البيطرية والأعلاف، ودعم الحرفيين والمربين المحليين. ويتيح هذا التكامل توزيع العوائد على قطاعات اقتصادية متعددة بدلًا من حصرها في الفعاليات الرياضية وحدها.
رابعًا: التكنولوجيا والابتكار
أصبح التحول الرقمي ضرورة لتطوير الإدارة والتسويق وتحسين تجربة الجمهور. ويمكن إنشاء منصات إلكترونية لتسجيل المشاركين وتوثيق الأنساب والإنجازات، وإدارة نتائج المنافسات والتذاكر والرعاية. كما تسهم تقنيات التصوير الحديثة والبث التفاعلي والتطبيقات الذكية في توسيع نطاق الجمهور، خصوصًا بين الشباب. ويمكن الاستفادة من تحليل البيانات والذكاء الاصطناعي لتحسين التنظيم والتنبؤ بالاحتياجات، مع ضمان حماية البيانات واحترام القوانين. وينبغي توظيف هذه التقنيات بصورة مسؤولة، بما يحفظ أصالة الرياضات التراثية ولا يحوّلها إلى منتجات تجارية منفصلة عن جذورها الثقافية.
آفاق الاستفادة العربية
إن نجاح الاستثمار في الرياضات التراثية يتطلب رؤية عربية مشتركة، تشجع تبادل الخبرات وتنظيم البطولات الإقليمية والدولية، وتطوير الكفاءات في الإدارة والتسويق والرعاية الرياضية. كما ينبغي وضع مؤشرات لقياس العائد الاقتصادي والاجتماعي والثقافي، مع الالتزام برعاية الحيوانات ورفاهيتها وحماية البيئة.
تمثل الرياضات التراثية العربية فرصة حقيقية للجمع بين أصالة الماضي ومتطلبات الاقتصاد الحديث. وتحويلها إلى صناعة رياضية مستدامة يحتاج إلى مؤسسات فعّالة، وتشريعات واضحة، واستثمارات مدروسة، وتسويق مبتكر. وعندما تتكامل جهود الحكومات والقطاع الخاص والمجتمعات المحلية، يمكن لهذه الرياضات أن تتحول من مظاهر تراثية محدودة النشاط إلى رافد للتنمية الاقتصادية والسياحية والثقافية، مع ضمان انتقال هذا الإرث الثمين إلى الأجيال القادمة.



