محمد الكنهل يكتب:” مشكلة المنتخب السعودي ليست في المواهب”

في كل مرة يتراجع فيها مستوى المنتخب السعودي، يبدأ الحديث عن ضعف المواهب أو ضرورة إرسال اللاعبين للاحتراف الخارجي أو وضع سقف لرواتب اللاعبين. لكن من وجهة نظري، هذه ليست المشكلة الحقيقية. المشكلة أعمق من ذلك، وتتعلق بطريقة تطوير اللاعب السعودي والبيئة الكروية التي يعمل فيها.
أول مشكلة هي أن اللاعب السعودي أصبح يعتمد بشكل كبير على اللاعب الأجنبي داخل النادي. في كثير من المباريات، اللاعب الأجنبي هو من يصنع الفارق ويحسم النتيجة ويقود الفريق للفوز، بينما اعتاد اللاعب السعودي أن يكون لاعبًا مساعدًا أكثر من كونه لاعبًا يتحمل مسؤولية الفريق. لذلك عندما يصل إلى المنتخب، نفتقد اللاعب القادر على حمل الفريق وتحمل الضغط وصناعة الفارق في المباريات الكبيرة.
كما أن زيادة عدد اللاعبين الأجانب إلى عشرة لاعبين أثرت سلبًا على تطور اللاعب السعودي. فالنادي مجبر على تسجيل عدد من اللاعبين السعوديين، لكنه في النهاية سيعتمد على عدد محدود منهم ويترك البقية على مقاعد البدلاء. اللاعب السعودي يحتاج إلى دقائق لعب مستمرة حتى يتطور ويكتسب الثقة والخبرة، وليس أن يشارك عشر دقائق في مباراة محسومة ثم يُطلب منه أن يصنع الفارق. لذلك فإن تقليل عدد الأجانب إلى ستة أو سبعة لاعبين سيمنح اللاعب السعودي فرصة أكبر للمشاركة وتحمل المسؤولية داخل الملعب.
أما فكرة أن الحل هو إجبار اللاعبين على الاحتراف الخارجي، فأراها غير واقعية. نحن نحاول تقليد تجارب منتخبات أخرى دون النظر إلى طبيعة اللاعب السعودي والبيئة المحلية. وحتى عندما ينجح اللاعب السعودي خارج المملكة، غالبًا ما يعود بسبب العروض المالية الضخمة من الأندية السعودية. لذلك لا يمكن اعتبار الاحتراف الخارجي الحل الرئيسي لمشاكل المنتخب.
ومن أهم النقاط التي يتم تجاهلها ضرورة بناء هوية فنية تناسب اللاعب السعودي. يجب أولًا دراسة نقاط القوة ونقاط الضعف لدى اللاعب السعودي، ثم اختيار المدرب المناسب لهذه الهوية. من غير المنطقي التعاقد مع مدرب يعتمد على القوة البدنية والضغط العالي إذا كانت هذه الجوانب ليست من أبرز مميزات اللاعب السعودي. لهذا السبب أرى أن المدرب السعودي قد يكون أحيانًا أكثر قدرة على فهم طبيعة اللاعب المحلي وبناء أسلوب يناسبه.
كذلك يجب الاستثمار بشكل أكبر في البنية التحتية الرياضية، من خلال توفير ملاعب تدريب حديثة ومغلقة ومهيأة للظروف المناخية، بما يساعد اللاعبين على التدريب في أوقات مناسبة واتباع نمط احترافي في النوم والاستشفاء والتطوير البدني.
ومن النقاط المهمة أيضًا التوسع في إنشاء الأندية والأكاديميات في المناطق المليئة بالمواهب، مثل جازان. فمن غير المنطقي أن تخرج هذه المنطقة عددًا كبيرًا من اللاعبين الموهوبين عبر السنين دون أن تحظى بمشاريع رياضية تتناسب مع حجم هذه المواهب.
كما أن تطوير منظومة الكشافين يجب أن يكون أولوية. المملكة مليئة بالمواهب سواء من المواطنين أو المواليد، لكن اكتشاف هذه المواهب يحتاج إلى عمل ميداني حقيقي وكشافين محترفين يبحثون عن اللاعبين في كل مكان. ولو نظرنا إلى ملاعب الحواري لوجدنا عددًا كبيرًا من المواهب التي لم تحصل على الفرصة المناسبة. كرة الحواري كانت وما زالت مصنعًا للنجوم، ولذلك يجب تنظيمها والاستفادة منها بدل تجاهلها.
وأخيرًا، فإن أكبر دليل على أن مشكلة المنتخب السعودي ليست في المواهب هو نجاح منتخبات الفئات السنية. فالمنتخبات السعودية للناشئين والشباب حققت بطولات آسيوية ونافست منتخبات اليابان وكوريا الجنوبية وتفوقت عليها في مراحل مختلفة. لو كانت المشكلة في الموهبة لما تحقق هذا النجاح أصلًا. لذلك فإن السؤال الحقيقي ليس أين المواهب؟ بل ماذا يحدث لهذه المواهب بعد وصولها إلى الدوري والمرحلة الاحترافية؟
من وجهة نظري الكرة السعودية تعاني من نقص في العمل والتفكير والشغف. فليس من المنطقي أن يكون الحل بعد كل خسارة هو إنشاء أكاديمية جديدة أو إطلاق مشروع جديد، بينما تبقى المشكلات الأساسية دون معالجة.



