شذى المرزوق تكتب:” الخليج ليس ساحة لتصفية الحسابات”

من حق كل إعلامي أن ينتقد، ومن حق كل محب لنادي الخليج أن يبدي رأيه في القرارات الإدارية والفنية، بل إن النقد الواعي ضرورة لتصحيح الأخطاء وتطوير العمل؛ لكن حين تتحول الآراء إلى أحكام قاسية، وتُختزل جهود سنوات في نتيجة مباراة أو قرار مدرب أو اسم لا يحظى بالقبول، فإننا نبتعد عن النقد الذي يخدم الكيان، وندخل في دائرة من الجدل الذي قد يضر أكثر مما ينفع.
المؤسف أن بعض الأصوات الإعلامية القريبة من النادي، التي تتحدث دائمًا باسم الحب والحرص على مصلحته، قد تنظر إلى القرارات من زاوية الأشخاص لا من زاوية المصلحة العامة – و هنا استخدم عبارة “المصلحة العامة” لأنها الشعار الذي يتغنى به محبو النادي- في المقابل حين لا يعجب تلك الأصوات مدرب، أو لا تتوافق قرارات الإدارة مع قناعاتها، أو لا تجد الأسماء التي تفضلها في مواقع المسؤولية، تبدأ موجة الانتقادات، وكأن نجاح النادي مشروط بأن يسير وفق رؤيتها وحدها.
وهنا تكمن المشكلة الحقيقية؛ فليس كل من نختلف معه مخطئًا، وليس كل اسم نؤيده هو الخيار الأفضل، ولا ينبغي أن تتحول العلاقات الشخصية أو الاصطفافات إلى معيار نقيس به نجاح العمل الإداري.
و حين نلتفت بتحديد إلى كرة اليد الخلجاوية نجد أنها لم تصل إلى ما وصلت إليه بالمصادفة..
خلف عنوان “عودة بطل” سنوات من العمل والتخطيط والاجتهاد، وجهود إدارية وفنية صنعت الإنجازات وأعادت الفريق إلى منصات التتويج؛ وهذه النجاحات لا تمنح الإدارة حصانة من النقد، لكنها تستحق أن تكون حاضرة عند تقييم تجربتها، لا أن تُمحى من الذاكرة عند أول تعثر.
أما الفئات السنية، فلا أحد يختلف على أهميتها، فهي مستقبل كرة اليد في الخليج، وأساس استمرارية الإنجازات؛ وحين نتحدث عن بناء المواهب وإعداد الأجيال، فإن الخليج ليس حديث عهد بهذه التجربة، بل يمتلك إرثًا حافلًا بالبطولات والإنجازات على مستوى الفئات السنية، ويُعد من أبرز الأندية في هذا المجال؛ ومع تقديرنا للعمل الذي تقدمه أندية النور، ومضر، والقادسية في إعداد أجيالها، فإن من الإنصاف ألا نتجاهل تجربة الخليج وتاريخه، وألا نختزل واقع قطاع كامل في نتيجة مواجهة، بل ننظر إلى البرامج والخطط ومراحل البناء ومخرجاتها.
والأرقام التي حققتها الفئات السنية الخلجاوية خلال السنوات الماضية، من بطولات ومراكز متقدمة في درجات الشباب والناشئين والصغار، تؤكد أن القطاع لم يكن غائبًا عن المنافسة..
بالطبع قد تكون هناك أخطاء أو جوانب قصور تستحق المعالجة، لكن ذلك يختلف تمامًا عن إطلاق أحكام عامة تتجاهل ما تحقق.
اليوم في نادي الخليج هناك دماء جديدة تعمل، وأفكار مختلفة، ورؤية إدارية قد لا تتفق مع ما اعتدنا عليه.
فلماذا نطالب بالتجديد ثم نقاومه عندما يأتي بقرارات لا توافق رغباتنا؟ ولماذا نتغنى بالفكر الإداري والتخطيط بعيد المدى، ثم نحاكم المشروع الجديد قبل أن يأخذ فرصته الكافية؟
ليس مطلوبًا من الإدارة أن تنجح في كل قرار، ولا من المدرب أن يكسب كل مباراة، ولا من الفرق أن تحقق جميع البطولات؛ المطلوب أن تكون هناك رؤية واضحة، وعمل جاد، ومحاسبة عادلة، واستعداد لتصحيح المسار متى ثبت الخطأ.
من جانب آخر قد تفرض مرحلة التأسيس بعض التنازلات في النتائج الآنية مقابل بناء فريق أكثر استقرارًا وقدرة على المنافسة مستقبلًا، وهذا لا يعني قبول التراجع بلا حدود، بل يعني أن نفرّق بين تعثر عابر ومؤشرات خلل حقيقي، وأن نمنح المشروعات الوقت الذي تحتاجه قبل إصدار الأحكام النهائية.
والأهم أن نعلم بأن من يعمل داخل النادي ليس بالضرورة باحثًا عن الظهور أو الأضواء، هناك من يبذل وقته وجهده بعيدًا عن المدرجات والمنصات الإعلامية، ويتحمل ضغوط القرارات والتعاقدات والتخطيط، سعيًا إلى تقديم الأفضل للكيان وجماهيره، ومن الإنصاف أن نحاسب هؤلاء على نتائج عملهم، لا على مدى توافق أسمائهم وخياراتهم مع رغباتنا الشخصية.
بطبيعة الحال نعلم أن الجمهور عاطفي، يفرح بالانتصار ويتألم للخسارة، ومن حقه أن يطالب بالأفضل، أما الإعلامي القريب من النادي، فتقع عليه مسؤولية أكبر؛ لأنه يملك مساحة للتأثير في الرأي العام، وعليه أن يوازن بين النقد والإنصاف، وألا تتحول ملاحظاته إلى وقود لاستقطابات لا يحتاجها النادي.
الخليج أكبر من الأسماء، وأكبر من المدربين، والإداريين، والإعلاميين، وأكبر من أي اختلاف في وجهات النظر، لا أحد يملك وحده الحقيقة، ولا أحد يحق له احتكار محبة الكيان أو تحديد من يستحق خدمته.
دعوا الشباب يعملون، وراقبوا النتائج، وانتقدوا الأخطاء بالأدلة، واطلبوا التصحيح متى استدعت الحاجة، لكن لا تجعلوا كل تعثر مناسبة للتشكيك في مشروع كامل، ولا كل اختلاف مع قرار سببًا لإثارة الجدل حول من يقوده.
فالاستقرار لا يعني الصمت عن الخطأ، والنقد لا يعني هدم الثقة، وحب النادي لا يُقاس بحدة المواقف أو كثرة التصريحات، وإنما بما نقدمه فعلًا لمصلحته.
نريد الخليج بطلًا، نعم، لكننا نريده أيضًا كيانًا مستقرًا، قادرًا على صناعة أبطاله، لا ساحة يتنافس فيها الجميع على إثبات صحة آرائهم.
بالمحصلة؛ ليس المهم أن تنتصر وجهة نظري أو وجهة نظرك، بل أن ينتصر الخليج



