مقالات رأي

حسن السلطان يكتب:”الكائن الحساوي ومصطلح التشجيع”

 

إذا كان هناك شيء واحد لا يمكن قياسه بالأرقام وحدها في كرة القدم، فهو الجمهور الحقيقي، حيث قدّم نادي العدالة دليلًا صريحًا على ذلك في دوري روشن قبل موسم التخصيص، حيث كان إلى جانب الفتح ضمن أفضل ستة أندية من حيث الحضور الجماهيري، متقدمًا على جمهور أندية عريقة مثل الاتفاق والشباب، فهذه ليست صدفة، ولا طفرة موسمية، بل انعكاس لواقع لم يعطى حقه.
في الأحساء، مفهوم التشجيع مختلف جذريًا عمّا هو سائد في بقية المناطق، هنا لا يوجد جمهور يترصّد سقوط نادي جاره، ولا يعيش على تصفية الحسابات المحلية، ولا يتغذّى على الكراهية تحت مسمى “الانتماء”، لأن الكائن الحساوي لا يرى النادي خصمًا داخل محافظته، بل امتدادًا له، الفتح، العدالة، هجر، الروضة، المنصورة و أي اسم… الجميع ممثلو الأحساء، والجميع يستحق الدعم.
ولهذا السبب، يثير مشهد مدرجات الفتح الممتلئة دهشة الكثيرين، خصوصًا في المواسم التي كان فيها الفريق ينافس على مراكز الهبوط، و السؤال يتكرر: كيف يحضر هذا العدد رغم الظروف؟
والإجابة في الأحساء بديهية ولا تحتاج تنظيرًا: التشجيع لا يُربط بالنتائج.
الغريب ليس امتلاء المدرجات، بل الغريب و غير المفهوم أن تُترك المدرجات خالية في الوقت الذي يكون فيه الفريق بأمسّ الحاجة إلى المساندة، لأن في الأحساء ثقافة، الدعم لا يُسحب عند التعثر، بل يتضاعف،
وهذا ما يربك أنصار التعصب الكلاسيكي.

فكيف تفسّر جمهورًا يشجّع ناديًا، ويملأ مدرجات نادي آخر في اليوم التالي؟ كيف تفهم مشهد رموز رابطة العدالة وهم ثابتون في مدرجات الفتح مباراة بعد مباراة؟ في ثقافات كروية أخرى يُعدّ هذا خيانة، أما في الأحساء فهو طبيعة حياة.
جمهور الفتح ليس جمهور حيّ أو مدينة، بل جمهور محافظة كاملة، من المبرز إلى الهفوف و العمران، ومن البلدات البعيدة إلى قلب المدرج، الجميع يحضر عندما تحين المباراة، فهم لا يحتاجون لحملة، ولا لاستعراض، ولا لعدّاد تذاكر، يكفي أن يكون هناك ممثل للأحساء في الدوري، والبقية تأتي وحدها.
جرّب أن تدخل الأحساء بيت بيت، وزنقةً زنقة، واسأل عن الفتح، لن تسمع تنظيرًا، ولن ترى مزايدات، ستسمع جملة بسيطة وصادقة: نحن مع الفريق بدون شروط.
نعم، قد يوجد متعصبون، لكنهم هامش في مشهد واسع، وصوتهم لا يصنع ثقافة ولا يقود رأيًا عامًا.
الكائن الحساوي حالة نادرة، ولهذا لن تجد له تعريفًا منصفًا في المعاجم، لأنه لم يتعلّم التشجيع من منصات، ولم يستورده من روابط، بل وُلد به، محبة بلا شروط، ودعم بلا حسابات، وتشجيع بلا كراهية، هذه القيم لا تُشترى، ولا تُفرض، لكنها موجودة هنا… شئنا أم أبينا.
ومن لا يرى في الأحساء فرصة استثمار جماهيري ذهبية، فهو إمّا لا يفهم السوق، أو ينظر بعين التعصب لا بعين الأرقام، لذلك من يريد نادياً ومعه جمهور مدينة كاملة، بل محافظة كاملة، فلن يجد عرضًا أنقى ولا أوضح من الأحساء.
والحقيقة التي قد تزعج البعض:
الحضور الجماهيري هنا لن يحقق الغاية و الهدف فقط… سيتجاوزه بسهولة، لأن الجمهور موجود أصلًا، وينتظر من يحسن التعامل معه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com