مقالات رأي

العمل عن بُعد: ضرورة تنموية لا رفاهية اختيارية

 

لطالما آمنتُ بأن الإنسان هو المحرك الحقيقي للتنمية، وأن فاعليته تكمن في جودة عطائه لا في “حيز مكانه.

واليوم، ونحن نشهد التحولات الكبرى في عاصمتنا، أجدني منحازةً وبقوة لخيار العمل عن بُعد؛ ليس بوصفه حلاً مؤقتاً لأزمة الزحام، بل كفلسفة عمل حديثة تفرضها لغة الأرقام ومعايير الإنتاجية العالمية.

إن صراع الوصول ، الذي يعيشه الموظف يومياً في زحام المترو والطرقات ليس مجرد إهدار للوقت، بل هو استنزاف لرأس المال البشري وهذا الامر يفضل التركيز عليه في مدينة كالرياض تتنامى فيها خطى التطور ويتسع العمران ويزداد عدد السكان فيها يوما بعد يوم .

فالدراسات العلمية الرصينة، ومنها دراسة “نيكولاس بلوم” من جامعة ستانفورد، أثبتت أن العمل عن بُعد يرفع الإنتاجية بنسبة 13%، ويقلل من معدلات الاستقالة بنسبة 50% فكيف نتجاهل هذه الحقائق ونصرّ على حشد الأجساد المنهكة داخل المكاتب؟..

إنني أتساءل: ما الجدوى الاقتصادية من إجبار موظف على قضاء ساعتين في الاختناق المتروبولي ليمارس مهاماً يمكنه إنجازها بتركيز مضاعف من منزله؟

إن البيانات الصادرة عن منظمة العمل الدولية (ILO) تؤكد أن مرونة العمل تعزز من التركيز العميق، بينما تشير التقارير الميدانية إلى أن الموظف المكتبي في المدن المزدحمة يستهلك 30% من طاقته الذهنية قبل أن يبدأ أول مهامه الوظيفية.

إن انحيازي للعمل عن بُعد ينبع من إيماني بأنسنة العمل؛ فالموظف الذي يمنح الثقة، يردها إنجازاً يتفوق بنسبة 25% في المهام التحليلية والإبداعية.

إننا أمام كلفة فرصة بديلة باهظة؛ فالساعات الضائعة في الترانزيت هي ساعات مقتطعة من عمر التنمية ومن جودة حياة الأسرة السعودية.

لذا، فإنني أدعو أصحاب القرار إلى الكف عن قياس النجاح بساعات الحضور، والتحول نحو قياس المخرجات. إذا لم احضر بدافعية حقيقية وانتماء لمكان عملي فقياس النجاح بساعات الحضور لن يكون له تاثير فعال في وجودي من عدمه .

إن دعم العمل عن بُعد هو دعم لبنية العاصمة التحتية، وهو استثمار ذكي في استدامة الإنتاجية. فالنجاح الحقيقي يكمن في استنهاض العقول المبدعة في فضاءاتها الرحبة، لا في سجنها داخل جدران المكاتب تحت وطأة الإجهاد المروري.

إن العاصمة التي تتحول رقميا وتملك الذكاء الاصطناعي وتتبنى “الرؤية” يجب أن تتبنى معها أدوات العصر، ولغة العصر هي الإنجاز الذكي من أي مكان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com