قرارات ميدان اللعب بين الحصانة والمساءلة: دراسة تحليلية لقرار لجنة الاستئناف بالاتحاد الإفريقي لكرة القدم في نهائي كأس الأمم الإفريقية 2025 على ضوء قوانين اللعبة وسوابق محكمة التحكيم الرياضي

الرياض: أحمد الأمير
المستشار في القانون الرياضي الدولي
تتناول هذه الدراسة القانونية الشاملة والمفصلة تحليلاً متعمقاً لأحد أكثر القرارات إثارة للجدل في تاريخ كرة القدم الإفريقية، والمتمثل في القرار الصادر عن لجنة الاستئناف التابعة للاتحاد الإفريقي لكرة القدم (CAF) بتاريخ ١٧ مارس ٢٠٢٦، والقاضي بنقض قرار لجنة الانضباط، واعتبار المنتخب السنغالي خاسراً للمباراة النهائية لكأس الأمم الإفريقية (المغرب ٢٠٢٥) بنتيجة (٠-٣) لصالح المنتخب المغربي، استناداً إلى تطبيق أحكام المادتين ٨٢ و٨٤ من لائحة المسابقة التنظيمية.
تتخذ هذه الدراسة منحى تحليلياً يقوم على تشريح الوقائع المادية للمباراة النهائية التي جمعت بين المنتخبين السنغالي والمغربي في ١٨ يناير ٢٠٢٦، مروراً بتحليل القرارات الصادرة عن الهيئات القضائية للاتحاد الإفريقي لكرة القدم، ووصولاً إلى التأصيل القانوني المستند إلى قوانين مجلس الاتحاد الدولي لكرة القدم (IFAB)، ولوائح (CAF)، والسوابق القضائية المقارنة لمحكمة التحكيم الرياضي (CAS)، وذلك بهدف تقديم رؤية قانونية متكاملة حول إشكالية العلاقة بين السلطة التقديرية المطلقة لحكام الساحة، وصلاحيات اللجان التأديبية في مراجعة القرارات التحكيمية وتعديل النتائج الفنية للمباريات.
إن المساس بالنتائج الفنية للمباريات التي اكتملت أركانها وأُطلقت صافرة نهايتها الطبيعية يمثل سابقة خطيرة تهدد استقرار “القانون الرياضي” (Lex Sportiva)، ويستدعي بحثاً علمياً دقيقاً حول الحدود الفاصلة بين السلطة التقديرية للحكام والرقابة اللاحقة للهيئات القضائية، وعلى ضوء ذلك تُقدم هذه الدراسة تحليلاً منهجياً متكاملاً يتناول كافة جوانب هذه القضية المركبة.
أولاً: الإطار الوقائعي للنزاع
الوقائع المادية للمباراة النهائية
لتأسيس التحليل القانوني بشكل دقيق وبمنهجية رصينة، يجب أولاً استعراض الوقائع المادية للمباراة النهائية التي جمعت بين المنتخبين السنغالي والمغربي في ١٨ يناير ٢٠٢٦ بمدينة الرباط. امتدت المباراة بأجواء تنافسية شديدة، وبلغت ذروة الإثارة في الوقت بدل الضائع من الشوط الثاني. في الدقيقة الثامنة من الوقت بدل الضائع (٩٠+٨)، أعلن حكم الساحة الكونغولي “جيان جاك ندالا” عن احتساب ركلة جزاء لصالح المنتخب المغربي إثر سقوط اللاعب إبراهيم دياز داخل منطقة الجزاء بعد احتكاك مع اللاعب السنغالي الحاج ماليك ضيوف، وذلك بعد العودة لمراجعة تقنية الفيديو المساعد (VAR).
أثار هذا القرار، الذي جاء بعد لحظات من إلغاء هدف للمنتخب السنغالي بسبب خطأ ضد قائد المنتخب المغربي أشرف حكيمي، احتجاجاً واسعاً وعارماً من قبل لاعبي المنتخب السنغالي والجهاز الفني بقيادة المدرب “بابي ثياو”. وتطورت الاحتجاجات لتتخذ شكلاً إجرائياً حاداً، حيث وجه المدرب لاعبيه بمغادرة أرضية الملعب باتجاه غرف الملابس، في خطوة تعبر عن الرفض القاطع لقرار الحكم.
استمرت فترة التوقف والانسحاب المؤقت عن ميدان اللعب لمدة زمنية تراوحت بين ١٤ إلى ١٧ دقيقة تقريباً، وهي فترة شهدت توتراً تنظيمياً كبيراً ومحاولات من الجماهير لاقتحام الملعب. خلال هذه الفترة الحساسة والمفصلية، مارس حكم المباراة “جيان جاك ندالا” سلطته التقديرية العليا في إدارة الأزمة؛ حيث اختار تفعيل صلاحيته في “تعليق اللعب مؤقتاً” (Suspension of play) ولم يتخذ أي قرار بـ “إنهاء المباراة” (Abandonment). وعقب تدخلات إدارية مكثفة وتوجيهات حكيمة من قائد المنتخب السنغالي “ساديو ماني” الذي بقي في المنطقة الفنية لتهدئة زملائه، تراجع الفريق السنغالي عن موقفه الاندفاعي، وعاد بكامل عناصره إلى أرضية الميدان لاستكمال المباراة والامتثال لقرار الحكم.
إثر عودة المنتخب السنغالي، مارس الحكم سلطته مجدداً وصرح بـ “استئناف اللعب”. تقدم اللاعب المغربي إبراهيم دياز لتنفيذ ركلة الجزاء التي أثارت الجدل، إلا أن الحارس السنغالي إدوارد ميندي تمكن من التصدي لها ببراعة. وبعد نهاية الوقت الأصلي بالتعادل، امتدت المباراة إلى الأشواط الإضافية وسط التزام كامل من الفريقين. وفي الأشواط الإضافية، تمكن اللاعب السنغالي “بابي غويي” من إحراز هدف الفوز، لتنتهي المباراة فعلياً ورسمياً بفوز المنتخب السنغالي بنتيجة (١-٠)، وتتويجه باللقب القاري، مع إطلاق الحكم لصافرة النهاية الطبيعية للمباراة، ورفع تقريره الذي يؤكد اكتمال المواجهة.
وبذلك، فإن الواقعة المادية الثابتة، والتي لا يمكن دحضها، هي أن المباراة “اكتملت فنياً وزمنياً” ولم يتم “إنهاؤها المبتسر” أو “إلغاؤها”. هذا العنصر الوقائعي يشكل الركيزة الأساسية التي يقوم عليها البناء القانوني بأكمله، فالنتيجة الفنية للمباراة قد تحققت على أرض الملعب وفقاً لقواعد اللعبة وتحت إشراف طاقم التحكيم المخول قانوناً بإدارة المباراة.
مسار القضية أمام اللجان القضائية للاتحاد الإفريقي لكرة القدم
قرار لجنة الانضباط: الفهم السليم للقانون الرياضي
عقب إسدال الستار على هذه الأحداث الدراماتيكية، تقدمت الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم (FRMF) باحتجاج رسمي للاتحاد الإفريقي لكرة القدم، تطالب فيه بتطبيق أحكام المادتين ٨٢ و٨٤ من لائحة المسابقة، وإعلان تخسير المنتخب السنغالي بداعي الانسحاب. بناءً على ذلك، اجتمعت لجنة الانضباط التابعة للاتحاد الإفريقي (CAF Disciplinary Board) بتاريخ ٢٨ يناير ٢٠٢٦م، للنظر في الأحداث، وأصدرت جملة من القرارات الانضباطية التي عكست فهماً عميقاً للقانون الرياضي وللائحة الانضباط، وتطبيقاً دقيقاً لمبدأ التناسب.
لقد فرّقت لجنة الانضباط بحنكة قانونية بين السلوك الفردي والجماعي المعاقب عليه انضباطياً (Misconduct)، وبين النتيجة الرياضية الفنية لمباراة اكتملت بإرادة الحكم. وعليه، عاقبت اللجنة الاتحاد السنغالي (FSF) بغرامات مالية قاسية بلغت ٣٠٠ ألف دولار أمريكي لسوء سلوك الجماهير وتشويه سمعة اللعبة، و٣٠٠ ألف دولار أمريكي أخرى لسوء سلوك اللاعبين والجهاز الفني، بالإضافة إلى غرامة ١٥ ألف دولار للإنذارات المتراكمة. كما طالت العقوبات الإيقاف الفردي للمدرب “بابي ثياو” لمدة ٥ مباريات، وإيقاف اللاعبين “إسماعيل سار” و”إليمان ندياي” لمباراتين بسبب السلوك غير الرياضي تجاه الحكم.
والأهم في سياق هذا النزاع، أن لجنة الانضباط بـ (CAF) أعلنت في البند الثالث من قرارها “رفضها الصريح” للاحتجاج المغربي المتعلق بتطبيق المادتين ٨٢ و٨٤ (المطالبة بمصادرة نتيجة المباراة). لقد أدركت لجنة الانضباط أن المادة ٨٢ تُعنى بحالات الانسحاب النهائي (Abandonment) الذي يمنع استكمال المباراة، في حين أن ما حدث هو انقطاع مؤقت (Suspension) تلاه استئناف طبيعي بقرار من المرجعية العليا في الملعب، ألا وهو الحكم. وبالتالي، حافظت لجنة الانضباط على النتيجة الفنية للمباراة (١-٠ لصالح السنغال).
قرار لجنة الاستئناف: التكييف القانوني المعيب
غير أن الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم لم ترتضِ بهذا القرار الابتدائي، فصعّدت الأمر عبر تقديم استئناف أمام لجنة الاستئناف بـ (CAF). وفي تطور مفاجئ وعكسي للمبادئ الرياضية المستقرة، أصدرت لجنة الاستئناف قرارها الإعلامي في ١٧ مارس ٢٠٢٦ بقبول الاستئناف المغربي شكلاً وموضوعاً، وقررت نقض قرار لجنة الانضباط، معلنةً اعتبار المنتخب السنغالي خاسراً للمباراة النهائية بنتيجة (٠-٣)، استناداً إلى المادتين ٨٢ و٨٤ من لوائح كأس الأمم الإفريقية.
استندت لجنة الاستئناف في قرارها إلى حيثية مقتضبة ومبهمة نصت بالإنجليزية على: “The CAF Appeal Board further finds that the conduct of the Senegal team falls within the scope of Articles 82 and 84 of the Regulations of the Africa Cup of Nations… It is declared that the Fédération Sénégalaise de Football (FSF), through the conduct of its team, infringed Article 82…”. وترجمتها: (تجد لجنة الاستئناف بـ الكاف أن سلوك المنتخب السنغالي يندرج ضمن نطاق المادتين ٨٢ و٨٤ من لوائح كأس الأمم الإفريقية… ويُعلن أن الاتحاد السنغالي لكرة القدم، من خلال سلوك فريقه، قد انتهك المادة ٨٢…).
إن هذا التكييف القانوني من قبل لجنة الاستئناف يُعد معيباً بامتياز، ويشكل خرقاً جسيماً للقواعد الإجرائية والموضوعية المنظمة لكرة القدم. ولتوضيح هذا العوار القانوني، يجب علينا أولاً تحليل النصوص النظامية التي استندت إليها اللجنة بشكل تعسفي.
ثانياً: الإطار التنظيمي والقانوني للنزاع
التحليل المقارن للنصوص النظامية في لوائح الكاف
إن قراءة متأنية للوائح المسابقة توضح أن المشرع الإفريقي عالج مسألة “عدم الحضور” ومسألة “الانسحاب ورفض اللعب” في نصوص مميزة ومتفرقة، تعتمد في تطبيقها على السياق الزمني وعلى قرارات حكم المباراة.
بالرجوع إلى المادة الخاصة برفض اللعب والانسحاب (المادة ٦٤ للتصفيات الأولية، والتي تقابلها المادة ٨٢ للبطولة النهائية التي استند إليها القرار)، نجد أنها تنص باللغة الإنجليزية بشكل صريح على الآتي: “If, for any reason whatsoever, a team withdraws from the competition or does not report for a match… or refuses to play or leaves the ground before the regular end of the match without the authorisation of the referee, it shall be considered looser and shall be eliminated for good from the current competition.” وترجمتها الدقيقة باللغة العربية: (إذا انسحب فريق، لأي سبب كان، من المسابقة أو لم يحضر للمباراة… أو رفض اللعب أو غادر الملعب قبل النهاية القانونية للمباراة دون إذن من الحكم، يُعتبر خاسراً ويُستبعد نهائياً من المسابقة الحالية).
في المقابل، ينص الإطار التنظيمي لمهلة التأخير القانونية (Grace Period) قبل انطلاق المباراة (المادة ٦٥ في التصفيات، والمادة ٨٣/٨٤ في النهائيات) باللغة الإنجليزية على: “A team that shall not be present on the ground, dressed to play at the time fixed for kick-off or at most 15 minutes later, shall forfeit the match. The referee shall register the absence of the team and shall write it in his report.” وترجمتها باللغة العربية: (الفريق الذي لا يحضر إلى أرضية الملعب بزي اللعب في الوقت المحدد لانطلاق المباراة، أو بعد ١٥ دقيقة كحد أقصى، يُعتبر خاسراً للمباراة. يقوم الحكم بتسجيل غياب الفريق وتدوينه في تقريره).
لتوضيح الفروق القانونية الجوهرية بين هذين النصين، يمكن تقديم الجدول التحليلي التالي:
المعيار
الانسحاب ومغادرة الملعب بعد بداية المباراة (المادة ٦٤و ٨٢)
التأخر للحضور للملعب في الموعد المحدد للمباراة (المادة ٦٥و ٨٣)
النطاق الزمني
تطبق على حالات الانسحاب بعد بداية المباراة
تطبق حصراً على وقت انطلاق المباراة
التقييد الزمني
لا يوجد أي تحديد للفترة الزمنية (مثل ١٥ دقيقة)
محددة بـ(١٥) دقيقة كحد اصى للانتظار
الشرط
بدون إذن الحكم
بانقضاء الـ(١٥) دقيقة
دور الحكم
تقديري مطلق؛ يمتلك الحكم السلطة التشريعية والتقديرية في تحديد مدة التوقف، أو استئناف اللعب، أو إنهاء المباراة بالانسحاب
إجرائي بحت، يتمثل في احتساب مدة التأخير، وتدينه في التقرير
من خلال القراءة الفاحصة والمقارنة لهذه النصوص والجدول أعلاه، يتضح جلياً أن المشرع الرياضي فرّق بوضوح تشريعي دقيق بين “المهلة الزمنية الصارمة للتأخر عن بداية المباراة” وبين “وقائع مغادرة الملعب أثناء سير اللعب”. فالصمت التشريعي في المادة (٨٢) عن تحديد مهلة زمنية قاطعة للتوقف لإعلان الانسحاب، بعد بداية المباراة، لم يكن سهواً أو فراغاً تشريعياً، بل هو إحالة متعمدة، وإعمال لمبدأ تدرج القوانين، لتفعيل السلطة التقديرية المطلقة التي يتمتع بها حكم الساحة بموجب “قوانين لعبة كرة القدم”.
حيثُ نصت المادة (٢٣) في فقرتها (١٠) من اللائحة التنظيمية للبطولة على التالي؛ “The match commissioner may, if he deems it necessary for the security of the referees or the visiting team, decide not to have the match played until his conditions and instructions are carried out. But once the match is started, it is exclusively the prerogative of the referee to decide of the suspension or the total stop of the match for any of the reasons stipulated in Law 5 of the laws of the game.” “الترجمة؛ يجوز لمراقب المباراة، إذا رأى ذلك ضرورياً لضمان أمن الحكام أو الفريق الزائر، أن يقرر عدم إقامة المباراة حتى يتم تنفيذ شروطه وتعليماته. ولكن بمجرد بدء المباراة، تؤول الصلاحية الحصرية لحكم المباراة في اتخاذ قرار بتعليق المباراة أو إيقافها بالكامل لأي من الأسباب المنصوص عليها في المادة (٥) من قوانين اللعبة.”
السلطة التقديرية للحكم وفق قوانين لعبة كرة القدم (IFAB)
إن قانون اللعبة يضع السلطة التقديرية الحصرية (Exclusive Discretionary Power) في يد حكم الساحة لإدارة الأزمات الطارئة. وبالانتقال إلى (المادة ٥) من قوانين لعبة كرة القدم (Law 5 – The Referee) الصادرة عن مجلس الاتحاد الدولي لكرة القدم (IFAB)، نجد أنها تؤسس لهذه السلطة بشكل لا يقبل الاجتهاد.
حيث تنص الفقرة الأولى والثانية من المادة ٥ باللغة الإنجليزية: “1. The authority of the referee: Each match is controlled by a referee who has full authority to enforce the Laws of the Game in connection with the match.” “2. Decisions of the referee: Decisions will be made to the best of the referee’s ability according to the Laws of the Game and the ‘spirit of the game’ and will be based on the opinion of the referee, who has the discretion to take appropriate action within the framework of the Laws of the Game. The decisions of the referee regarding facts connected with play… are final.”
وترجمة هذا النص الأساسي للعربية: (١. سلطة الحكم: تُدار كل مباراة بواسطة حكم يتمتع بالسلطة المطلقة لتطبيق قوانين اللعبة فيما يتعلق بالمباراة. ٢. قرارات الحكم: تُتخذ القرارات بناءً على أفضل قدرات الحكم وفقاً لقوانين اللعبة و’روح اللعبة’، وتستند إلى رأي الحكم الذي يمتلك السلطة التقديرية لاتخاذ الإجراء المناسب ضمن إطار قوانين اللعبة. إن قرارات الحكم المتعلقة بالحقائق المتصلة باللعب… هي قرارات نهائية).
وتمضي (المادة ٥) لتفصل بوضوح صلاحيات الحكم في حالات التدخل الخارجي وتوقف اللعب الاضطراري، حيث تنص تحت بند (الواجبات والصلاحيات – Powers and duties) باللغة الإنجليزية: “The referee… stops, suspends or abandons the match for any offences or because of outside interference e.g. if… the referee may allow the match to continue, or stop, suspend or abandon it depending on the severity of the incident.” “Such decisions may include a decision: to abandon a match for whatever reason… to stop or not to stop a match due to spectator interference…”
وترجمتها القانونية: (يقوم الحكم… بإيقاف، أو تعليق، أو إنهاء المباراة لأي مخالفات أو بسبب تدخل خارجي… يجوز للحكم السماح باستمرار المباراة، أو إيقافها، أو تعليقها، أو إنهائها بناءً على تقييمه لخطورة الحادثة. ومثل هذه القرارات قد تتضمن قراراً بإنهاء المباراة لأي سبب كان… أو إيقاف أو عدم إيقاف المباراة بسبب تدخل الجماهير…).
بتطبيق هذه النصوص القطعية والراسخة على الحالة الماثلة أمامنا، نجد أن حكم الساحة “جيان جاك ندالا”، وهو الخبير الفني الأول والوحيد المخول بإدارة أرضية الميدان وتطبيق “روح اللعبة”، قد واجه أزمة خانقة تتمثل في غضب لاعبي السنغال وخروجهم إلى غرف الملابس احتجاجاً على ركلة الجزاء في الدقيقة (٨+٩٠). في تلك اللحظة المفصلية، وضع قانون اللعبة، وخاصة المادة ٥ منهُ، أمام الحكم خيارات قانونية متدرجة: أولاً: إيقاف اللعب مؤقتاً (Stop). ثانياً: تعليق المباراة لفترة أطول (Suspend). ثالثاً: الإعلان عن إنهاء المباراة لتعذر استكمالها (Abandon).
بناءً على قراءته لمجريات الأحداث، ولعلمه بوجود مساعٍ حثيثة من العقلاء (مثل ساديو ماني) لتهدئة الأوضاع وإقناع الفريق بالعودة، مارس الحكم سلطته التقديرية في “التعليق المؤقت” (Suspension) لامتصاص الغضب وتفادي كارثة رياضية وأمنية في نهائي قاري. وعندما تكللت هذه المساعي بالنجاح وعاد لاعبو السنغال، اتخذ الحكم -بمحض إرادته وصلاحياته المطلقة- قراره النهائي بـ “استئناف اللعب” (Resume play).
إن قرار استئناف اللعب من قبل الحكم يُبطل تماماً ادعاء لجنة الاستئناف بأن السنغال “غادرت الملعب دون إذن الحكم” (المادة ٨٢). فالحكم بقبوله عودة اللاعبين وإدارته لما تبقى من المباراة قد منح الإذن الضمني والصريح باستكمال المواجهة. إن “الانسحاب” الموصوف في المادة (٨٢) والذي يُعاقب عليه بخسارة نتيجة المباراة (Forfeit)، يتطلب بالضرورة الحتمية أن ينتج عن تقرير من الحكم بـ “إنهاء المباراة مبتسرة” (Abandonment). أما وقد قَبِل الحكم عودة الفريق السنغالي، واحتسب ركلة الجزاء للمغرب ونُفذت، واستكمل الأشواط الإضافية، وأطلق صافرة النهاية الطبيعية معلناً النتيجة (١-٠)، فإن النتيجة الفنية للمباراة قد تحصنت قانونياً وأصبحت واقعاً ملموساً.
وعليه، فإن قرار لجنة الاستئناف بـ (CAF) باعتبار منتخب السنغال خايراً للمباراة، يُعد تعدياً سافراً على السلطة التقديرية لحكم المباراة، وسلباً غير قانوني لصلاحيات ميدانية أقرها مجلس (IFAB). حيثُ انه لا يجوز لأي لجنة إدارية أو قضائية لاحقة، مهما علا شأنها، أن تعيد كتابة وقائع مباراة اكتملت، أو أن تُلغي نتيجتها الفنية بأثر رجعي عبر استنتاج “انسحاب كامل” (Abandonment) من واقعة كانت مجرد “توقف مؤقت” (Suspension) تم تداركه على أرض الملعب.
ثالثاً: مبدأ قرارات ميدان اللعب في سوابق محكمة التحكيم الرياضي (CAS)
لتعزيز هذا التحليل، نلجأ إلى الفقه الرياضي الدولي والسوابق القضائية الراسخة الصادرة عن محكمة التحكيم الرياضي (CAS)، والتي أرست مبدأً محورياً يُعرف بـ “مبدأ قرارات ميدان اللعب” (The Field of Play Doctrine). يُشكل هذا المبدأ الحصن المنيع الذي يحمي استقلالية قرارات الحكام المتخذة أثناء المنافسات، ويغل يد الهيئات القضائية واللجان الإدارية عن التدخل لتعديل النتائج الفنية بعد انتهاء المنافسات، إلا في حالات استثنائية ونادرة جداً ومحددة الإثبات.
التأصيل القضائي للمبدأ في قرارات محكمة التحكيم الرياضي
في قضية محكمة التحكيم الرياضي المرجعية والشهيرة (CAS 2015/A/4208 Horse Sport Ireland (HSI) & Cian O’Connor v. Fédération Equestre Internationale)، وضعت الهيئة التحكيمية تعريفاً وتأصيلاً دقيقاً لـ “الحصانة المؤهلة” (Qualified Immunity) الممنوحة لقرارات الحكام. وقد أكدت هيئة التحكيم في حيثيات قرارها ما نصه صراحة باللغة الإنجليزية: “CAS jurisprudence has consistently reaffirmed that CAS arbitrators do not overturn the decisions made on the playing field by judges, referees, umpires or other officials charged with applying the rules of the game unless there is some evidence, which generally must be direct evidence that the rule was applied arbitrarily or in bad faith. CAS arbitrators are not specifically trained in the rules of any or all sports and do not have the advantage of being present to observe the events.”
وترجمة هذا النص المفصلي بالعربية: (لقد أعادت السوابق القضائية لمحكمة كاس التأكيد باستمرار على أن محكمي كاس لا يقومون بنقض القرارات المتخذة في ميدان اللعب من قبل القضاة، أو الحكام، أو غيرهم من المسؤولين المكلفين بتطبيق قواعد اللعبة، ما لم يكن هناك دليل -والذي يجب أن يكون عموماً دليلاً مباشراً- على أن القاعدة قد طُبقت بشكل تعسفي أو بسوء نية. إن محكمي كاس غير مدربين بشكل خاص على قواعد كل رياضة، ولا يتمتعون بميزة التواجد في الموقع لمراقبة الأحداث).
وأضافت المحكمة في نفس القرار مبررة الحكمة من هذا المبدأ الصارم (باللغة الإنجليزية): “This principle of respecting field of play decisions is one of the defining characteristics of the lex sportiva… applying this principle is important and disturbing it risks an undermining of the fundamental fabric of the law of sport, opening the door to a more general review by adjudicators of matters that have long been considered as relating to the field of play.” وترجمتها: (إن مبدأ احترام قرارات ميدان اللعب هو أحد الخصائص المميزة للقانون الرياضي… وتطبيق هذا المبدأ يعد أمراً بالغ الأهمية، والإخلال به يهدد بتقويض النسيج الأساسي للقانون الرياضي، ويفتح الباب أمام مراجعة عامة من قبل القضاة لمسائل لطالما اُعتبرت من صميم ميدان اللعب).
تطبيق المبدأ على وقائع النزاع
بالتطبيق المباشر لهذا المبدأ على حالة المنتخب السنغالي وقرار الحكم “ندالا”، فإن قرار الحكم بالانتظار لمدة ١٤ إلى ١٧ دقيقة، ومن ثم قراره بالسماح للسنغال بالعودة واستئناف المباراة، هو “قرار ميدان لعب” أصيل بامتياز. لقد اتخذ الحكم هذا القرار بناءً على تقييمه المباشر للوضع المتأزم على الأرض، ووفقاً لتقديره لـ “روح اللعبة” بهدف الحفاظ على إقامة النهائي القاري الأهم في إفريقيا وتجنب كارثة تنظيمية.
بناءً على معيار محكمة (CAS)، لكي يجوز للجنة الاستئناف بالكاف نقض قرار الحكم “ندالا” باستئناف اللعب واعتباره باطلاً، كان لزاماً على الاتحاد المغربي (FRMF) أن يقدم “دليلاً مباشراً” يثبت أن الحكم تصرف بـ “سوء نية” (Bad faith) أو “بتعسف” (Arbitrariness) حينما سمح للسنغال باستكمال المباراة. وهذا ما لم يتم إثباته أو حتى التطرق إليه. وبالتالي، فإن قيام لجنة الاستئناف التابعة للكاف بنقض هذا القرار الفني وتغيير نتيجة مباراة مكتملة عبر أروقة المكاتب الإدارية يُعد خرقاً صريحاً وفاضحاً لـ “مبدأ قرارات ميدان اللعب”، و”اختصاصاً خارج الحدود” (Ultra Vires) مارسته اللجنة الإدارية بشكل معيب ضد الصلاحيات الفنية للحكم.
رابعاً: التحليل المقارن مع سابقة نهائي دوري أبطال إفريقيا ٢٠١٩ (قضية الوداد والترجي)
لتسليط الضوء على خطأ التكييف القانوني وتناقض لجان (CAF) بشكل أوضح وأكثر جلاءً، يجب أن نستعرض السابقة القضائية الأهم والأكثر تشابهاً في السياق الجغرافي والتاريخي والقانوني الإفريقي، وهي قضية نهائي دوري أبطال إفريقيا ٢٠١٩ الشهيرة بـ “فضيحة رادس”، والتي جمعت بين نادي الوداد الرياضي المغربي والترجي الرياضي التونسي (CAS 2019/A/6483 Wydad Athletic Club v. CAF & EST).
وقائع قضية الوداد والترجي
في تلك الواقعة، وفي الدقيقة ٥٩ من المباراة، رفض لاعبو الوداد المغربي استكمال اللعب بعد أن ألغى الحكم هدفاً صحيحاً لصالحهم، واكتشفوا تعطل تقنية الفيديو (VAR). توقف اللعب، وحاول الحكم الجامبي باكاري غاساما ومسؤولو الكاف التدخل وإقناع لاعبي الوداد بالعودة. استمرت المحاولات والانتظار لمدة تقارب ٩٠ دقيقة كاملة. عندما أصر لاعبو الوداد على الرفض التام للعودة، مارس الحكم سلطته وصلاحياته وفق (المادة ٥) من قوانين اللعبة، وقام بإطلاق صافرة النهاية “منهياً المباراة بسبب الانسحاب” (Abandoned the match).
أصدرت لجنة الانضباط، ثم لجنة الاستئناف بالكاف، ومن بعدها محكمة التحكيم الرياضي (CAS)، قرارات متطابقة بإعتبار نادي الوداد خاسراً وتتويج الترجي. ولكن، ما هو “المناط القانوني” الذي استندت إليه (CAS) لتأييد هذا القرار؟ إن القراءة التحليلية (Comparative Analysis) لحيثيات قرار كاس تكشف الجوهر الذي يبطل قرار لجنة الاستئناف في حالة منتخب السنغال. لقد اعتمدت (CAS) بشكل كلي وجوهري على “القرار الفعلي الذي اتخذه الحكم بإنهاء المباراة”.
فقد جاء في قرار هيئة كاس في قضية الوداد ما نصه باللغة الإنجليزية: “The match officials’ reports were very clear that the Wydad Athletic Club’s players refused to resume the match even after several attempts conducted by the referee, to the point that the referee waited almost 90 minutes before he whistled the end of the match. Therefore the Appeal Board confirms that the match was forfeited by Wydad Athletic Club because their players refused to resume the match.” “The CAS Panel found in particular that the WAC’s players decision not to resume play after the interruption of the final in the 59th minute of the game constituted an abandonment in the sense of Article 148 of the CAF Disciplinary Code… and to declare that the WAC lost the return leg of the final by forfeit.”
وترجمة هذه الحيثيات القانونية القاطعة: (تقارير حكام المباراة كانت واضحة جداً بأن لاعبي نادي الوداد الرياضي رفضوا استئناف المباراة حتى بعد عدة محاولات قام بها الحكم، لدرجة أن الحكم انتظر ما يقارب ٩٠ دقيقة قبل أن “يطلق صافرة نهاية المباراة”… ووجدت هيئة كاس على وجه الخصوص أن قرار لاعبي الوداد بعدم استئناف اللعب شكل انسحاباً بالمعنى المقصود في المادة ١٤٨ من لائحة انضباط الكاف… وإعلان خسارة الوداد للمباراة بالانسحاب).
المقارنة الفقهية والوقائعية بين السابقتين
لتوضيح الفروق الجوهرية بين السابقتين، يمكن تقديم الجدول المقارن التالي:
المعيار
قضية السنغال ضد المغرب
(AFCON 2025)
قضية الوداد ضد الترجي
(CAS 2025/A/6483)
طبيعة المخالفة
مغادرة الملعب ورفض استكمال المباراة مؤقتاً
مغادرة الملعب ورفض استكمال المباراة نهائياً
مدة التوقف
مابين ١٤ إلى ١٧ دقيقة
٩٠ دقيقة
موقف المنسحب
عاد منتخب السنغال واستكمل المباراة
رفض نادي الوداد استكمال المباراة
قرار الحكم
امر الحكم باستئناف المباراة وانتهت المباراة بنهاية وقتها الأصلي والإضافي
امر الحكم بانهاء المباراة وانتهت المباراة دون استكمال الدقائق المتبقية
بناءً على هذا الجدول التحليلي الدقيق، يتأكد أن الفارق الجوهري والقانوني الذي يُسقط استناد لجنة الاستئناف الحالية في قضيتنا هو “إجراء الحكم نفسه” (The Action of the Referee). في قضية الوداد، وصل الحكم إلى قناعة باستحالة الاستكمال، فأعلن “إنهاء المباراة بالانسحاب”؛ وبناءً على تقريره، طبقت الجهات القضائية النصوص المتعلقة بمصادرة نتيجة المباراة. بينما في قضية السنغال، فإن الحكم “ندالا” “لم ينهِ المباراة”، بل مارس سلطته في التمديد والتريث لمدة ١٧ دقيقة لإنقاذ الموقف، وحينما عاد لاعبو السنغال، مارس سلطته في “استئناف المباراة”، واكتملت جميع الدقائق القانونية والإضافية بشكل شرعي وكامل.
الاستنتاج القانوني من المقارنة
إن تطبيق المادة (٨٢) المتعلقة بـ “الانسحاب ومصادرة النتيجة” يشترط لزاماً أن يتخذ الحكم ميدانياً قراراً بعدم قدرة المباراة على الاستمرار، وأن يرفع تقريراً يثبت فيه “إنهاء المباراة”. أما إذا عاد الفريق واستأنف الحكم اللعب، فإن التكييف القانوني للواقعة ينتقل فوراً وبشكل تلقائي من كونه “انسحاباً من المباراة” يستوجب مصادرة نتيجتها، إلى كونه “سوء سلوك وخرق لروح اللعب النظيف” (Misconduct and bringing the game into disrepute) يستوجب أقصى العقوبات الانضباطية الفردية والجماعية (غرامات مالية ضخمة وإيقافات للمتسببين) دون المساس بالنتيجة الرياضية. وهذا التكييف الدقيق هو بالضبط ما تبنته “لجنة الانضباط” في قرارها الصائب ابتدائياً، وهو ما أخطأت فيه “لجنة الاستئناف” خطأً جسيماً وغير مسبوق.
وعلاوة على ذلك، ففي ذات قضية الوداد) /CAS 2019/A/6483)، قدمت لجان الكاف دفوعاً أمام (CAS) تؤكد فيها على أولوية وحصانة قرار الحكم. حيث نصت الدفوع التي تم إقرارها آنذاك على: “That the referee is vested with the power to have the final decision on the field of play since the start of the game, and that his decision is not up to review by the Appeal Board.” وترجمتها: (إن الحكم مخول بسلطة اتخاذ القرار النهائي في ميدان اللعب منذ بداية المباراة، وإن قراره غير قابل للمراجعة من قبل لجنة الاستئناف). وهذا النص يُعد إقراراً صريحاً وموثقاً من لجان الكاف ذاتها، والتي تناقض نفسها بشكل صارخ اليوم في قضية السنغال والمغرب؛ حيث سمحت لجنة الاستئناف لنفسها بتنصيب ذاتها حكماً أعلى، ومراجعة ونقض قرار الحكم “ندالا” باستئناف اللعب واعتماد النتيجة، متجاوزة بذلك سلطاتها اللائحية ودفوعها التاريخية التي أقرتها محكمة (CAS).
خامساً: المبادئ القانونية العامة المنطبقة على النزاع
مبدأ التناسب في توقيع العقوبات
هناك بعد قانوني آخر لا يقل أهمية في هذه القضية، وهو مبدأ “التناسب” (Proportionality) الذي يُعد من المبادئ العامة في القانون الرياضي الأوروبي والسويسري (الذي تخضع له CAS). إن معاقبة الاتحاد السنغالي على سلوك انفعالي متمثل في انسحاب مؤقت استمر ١٧ دقيقة، بتجريده من اللقب القاري بعد أن عاد، واستكمل المباراة، ولعب الأشواط الإضافية، وسجل هدفاً شرعياً، وفاز بالمباراة رياضياً وفق قواعد اللعب، يُعد عقوبة غير متناسبة على الإطلاق (Grossly Disproportionate) وتعسفية.
لقد شُرعت العقوبات الانضباطية في لائحة الكاف الانضباطية لمعالجة هذه المخالفات السلوكية تحديداً للحد من العبث. وهذا ما استندت إليه لجنة الانضباط بحنكة وموضوعية حينما طبقت المواد المتعلقة بالنزاهة والروح الرياضية (Articles 82 and 83 of CDC) لفرض غرامات تاريخية بلغت ٦١٥ ألف دولار أمريكي وإيقافات رادعة للمدرب واللاعبين المتسببين في التحريض على مغادرة الملعب. إن تحويل هذا السلوك الإجرائي (الذي تم تداركه ومعاقبة مرتكبيه) إلى خسارة فنية كاملة (٠-٣) بأثر رجعي، يعتدي على القيمة الجوهرية الأسمى للرياضة، وهي أن الفائز يجب أن يتحدد بأقدام اللاعبين في ميدان اللعب، وليس عبر التأويلات الإدارية المتعسفة.
مفهوم “الوقت المعقول” لانتظار الحكم في حالات الطوارئ
كما نتطرق إلى مسألة “الوقت المعقول” (Reasonable Time) لانتظار الحكم في حالات الطوارئ. كما أسلفنا، لا يوجد في قوانين لعبة كرة القدم (IFAB) أو في لوائح مسابقات (CAF) نص حرفي يحدد “بالدقائق” المدة التي يجوز للحكم انتظارها لعودة الفريق المحتج بعد بدء المباراة. في ظل هذا الصمت التشريعي المتعمد، يصبح تقدير “الوقت المعقول” مسألة ظرفية خاضعة حصراً لحصافة وسلطة حكم الساحة بناءً على (Circumstantial Context).
فإذا قدر الحكم أن الانتظار لمدة ١٤ أو ١٧ دقيقة يمثل فرصة واقعية لإنقاذ المباراة وتفادي أزمة أمنية وجماهيرية كبرى في نهائي قاري ضخم يحضره عشرات الآلاف ويتابعه الملايين، فإنه بذلك يمارس أرقى أشكال إدارته للأزمة التي تخوله إياها المادة ٥ من قوانين اللعبة. ومن الجدير بالذكر أن محكمة التحكيم الرياضي (CAS) تناولت في قضايا أخرى (مثل قرار CAS 2024/A/11058 Romanian Football Federation v. UEFA، بالرغم من اختلاف الوقائع جزئياً)، ممارسات الحكام في إنذار الفرق للعودة، حيث يمنح الحكم مهلة مرنة (مثلاً ٥ أو ١٠ دقائق) بناءً على تطورات الحدث قبل إطلاق الصافرة النهائية للانسحاب. في حالة السنغال، طالما أن الحكم لم يتخذ الخطوة الراديكالية بإنهاء المباراة، واختار التريث ثم الاستئناف، فإن الإرادة العليا للملعب قالت كلمتها باستمرار النزال.
عيوب التسبيب القانوني في قرار لجنة الاستئناف
بالنظر بعمق إلى بيان لجنة الاستئناف التابعة للكاف الصادر في ١٧ مارس ٢٠٢٦، نجده يعاني من عيوب قاتلة في التسبيب القانوني (Lack of proper legal motivation). فقد اكتفت اللجنة في حيثياتها بعبارات إنشائية عامة تذكر: “تجد اللجنة أن سلوك المنتخب السنغالي يندرج ضمن نطاق المادتين ٨٢ و٨٤… وتطبيقاً للمادة ٨٤، يعتبر المنتخب السنغالي قد خسر المباراة بنتيجة ٣-٠”.
لم تقم لجنة الاستئناف بتفنيد طبيعة هذا السلوك بالتفصيل، ولم تقدم تبريراً منطقياً أو قانونياً يشرح كيف يمكن اعتبار الفريق “منسحباً وتاركاً للمباراة” في حين أن ذات الفريق قد تواجد في الملعب، وأكمل الشوط الثاني، ولعب الأشواط الإضافية الثلاثين دقيقة، وأنهى المباراة تحت إشراف طاقم التحكيم وصافرة النهاية الطبيعية. إن هذا التجريد التعسفي من الحقائق الثابتة في تقرير الحكم، والقفز فوق واقعة اكتمال المباراة للوصول إلى استنتاج الانسحاب، يعد بطلاناً في التسبيب وعيباً في الاستدلال يستوجب نقض القرار وإلغاءه من قبل أي جهة قضائية مختصة.
مبدأ الإغلاق وحظر التناقض مع السلوك السابق (Estoppel)
يُضاف إلى مجمل الدفوع السابقة، مبدأ قانوني جوهري يتمثل في قاعدة “الإغلاق” أو “حظر التناقض مع السلوك السابق” (Estoppel / Venire contra factum proprium). إن المنتخب المغربي لم يكتفِ بالبقاء في الملعب أثناء توقف المباراة فحسب، بل استجاب لقرار الحكم باستئناف اللعب. فقد قام لاعبه إبراهيم دياز بتنفيذ ركلة الجزاء فور عودة السنغال، واستمر المنتخب المغربي في خوض غمار الدقائق المتبقية، ولعب الأشواط الإضافية كاملة محاولاً تحقيق الفوز الرياضي.
لو كانت الجامعة الملكية المغربية تعتبر أن السنغال قد انسحبت نهائياً عند الدقيقة ٨+٩٠، وأن المباراة قد انتهت فعلياً وفاز المغرب بالانسحاب، لكان حرياً بالفريق المغربي أن يرفض تنفيذ ركلة الجزاء أو استكمال الأشواط الإضافية، مسجلاً اعتراضه الفوري واكتفاءه بقرار الانسحاب. لكن استمرار المنتخب المغربي في اللعب هو إقرار ضمني وفعلي (Implied and Actual Consent) بقبول استئناف اللعب وفق قرار الحكم. وعليه، يمتنع على الاتحاد المغربي الاستفادة من فرصة الفوز في الملعب أولاً، ثم اللجوء لاحقاً للطعن الإداري لطلب الفوز المكتبي بعد أن خسر التحدي الفني. استكمال المغرب للمباراة يجعله خاضعاً لنتيجتها الفنية، ولا يجوز له المطالبة بتطبيق قواعد الانسحاب بعد اكتمال أركان المنافسة.
سادساً: انعكاسات القرار على استقرار القانون الرياضي
تُشدد هذه الدراسة على أن حماية قرارات الحكام في “ميدان اللعب”، واحترام سلطتهم في إدارة الأزمات داخل المستطيل الأخضر، هي حجر الزاوية الذي تستند إليه نزاهة واستقرار مسابقات كرة القدم العالمية. إن السماح لأي لجنة إدارية أو قضائية (كلجنة الاستئناف بالكاف) بالتدخل بعد انتهاء المسابقات وتعديل نتائج مباريات “مكتملة”، لم يتم إيقافها نهائياً من قبل الحكم، سيخلق سابقة خطيرة مدمرة (Pandora’s box) تقضي على مصداقية الرياضة التنافسية.
إن القانون الرياضي (Lex Sportiva) يقوم على توازن دقيق بين سلطة الحكم المطلقة في الميدان والرقابة اللاحقة للهيئات التأديبية. هذا التوازن يُعد ضرورياً لضمان استقرار المنافسات وثقة الجمهور في نتائجها. عندما تتجاوز لجنة الاستئناف صلاحياتها وتقوم بإعادة كتابة وقائع مباراة اكتملت بإرادة الحكم، فإنها تقوض هذا التوازن وتفتح الباب أمام حالة من عدم اليقين القانوني تهدد نزاهة المسابقات المستقبلية.
إن قانون اللعبة قد منح الحكم سلطة اتخاذ القرارات المناسبة لإدارة المباراة؛ وحينما اختار الحكم في الرباط، بموجب سلطته، أن يستأنف المباراة ويصل بها إلى نهايتها الطبيعية، فقد نطق القانون بكلمته. وأي محاولة لمراجعة ذلك إدارياً هي اغتصاب لسلطة الحكم وتعدٍ سافر على روح كرة القدم.
خلاصة واستنتاجات
بناءً على التحليل المتقدم، يمكن استخلاص النتائج التالية:
أولاً: في التكييف القانوني للواقعة – إن ما قام به المنتخب السنغالي من مغادرة مؤقتة لأرض الملعب احتجاجاً على قرار تحكيمي، ثم عودته لاستكمال المباراة بقرار من الحكم واستكماله للمباراة حتى نهايتها الطبيعية، لا يندرج تحت مفهوم “الانسحاب” المنصوص عليه في المادة ٨٢ من لوائح المسابقة، بل يندرج تحت مفهوم “سوء السلوك الانضباطي” الذي تمت معاقبته عليه بشكل مناسب من قبل لجنة الانضباط.
ثانياً: في سلطة الحكم التقديرية – إن حكم المباراة “جيان جاك ندالا” قد مارس سلطته التقديرية المطلقة المخولة له بموجب المادة ٥ من قوانين لعبة كرة القدم (IFAB) عندما قرر تعليق المباراة مؤقتاً ثم استئنافها، وقراره هذا نهائي وغير قابل للمراجعة من قبل اللجان الإدارية إلا في حالة إثبات سوء النية أو التعسف، وهو ما لم يحدث في هذه القضية.
ثالثاً: في مبدأ قرارات ميدان اللعب – إن السوابق القضائية لمحكمة التحكيم الرياضي (CAS) تؤكد على حصانة قرارات الحكام المتعلقة بالحقائق المتصلة باللعب، وتحظر على الهيئات القضائية نقض هذه القرارات إلا في حالات استثنائية محددة. قرار لجنة الاستئناف بنقض قرار الحكم واستنتاج “انسحاب” من واقعة لم ينهِ فيها الحكم المباراة يشكل خرقاً صريحاً لهذا المبدأ.
رابعاً: في سابقة قضية الوداد – إن المقارنة مع قضية الوداد والترجي (CAS 2019/A/6483) تؤكد أن الفارق الجوهري هو قرار الحكم نفسه؛ ففي قضية الوداد أنهى الحكم المباراة، بينما في قضية السنغال استأنفها الحكم وأكملت المباراة حتى نهايتها الطبيعية. هذا الفارق يغير التكييف القانوني تماماً وينقل الواقعة من دائرة “الانسحاب” إلى دائرة “سوء السلوك الانضباطي”.
خامساً: في مبدأ التناسب – إن معاقبة الاتحاد السنغالي بتجريده من اللقب القاري بعد أن عاد واستكمل المباراة وفاز بها رياضياً، تُعد عقوبة غير متناسبة على الإطلاق مع طبيعة المخالفة المرتكبة، خاصة بعد أن فرضت عليه غرامات مالية قياسية وعقوبات إيقاف فردية.
سادساً: في مبدأ الإغلاق (Estoppel) – إن استمرار المنتخب المغربي في اللعب واستكمال المباراة بعد عودة السنغال يشكل إقراراً ضمنياً بقبول استئناف اللعب وفق قرار الحكم، ويمتنع عليه بعد ذلك المطالبة بتطبيق قواعد الانسحاب.
التوصيات القانونية
بناءً على ما تقدم، يمكن تقديم التوصيات التالية:
١. ضرورة إعادة النظر في قرار لجنة الاستئناف الصادر في ١٧ مارس ٢٠٢٦ من قبل محكمة التحكيم الرياضي (CAS)، والرجوع إلى القرار الصحيح الصادر عن لجنة الانضباط الذي يحافظ على النتيجة الفنية للمباراة (١-٠ لصالح السنغال) مع فرض العقوبات الانضباطية المناسبة.
٢. التأكيد على مبدأ حصانة قرارات الحكام في ميدان اللعب وعدم قابليتها للمراجعة من قبل اللجان الإدارية إلا في حدود ضيقة جداً مع إثبات سوء النية أو التعسف.
٣. ضرورة وضع معايير واضحة ومحددة في لوائح الاتحاد الإفريقي لكرة القدم تحدد مفهوم “الوقت المعقول” لانتظار الحكم في حالات الانسحاب المؤقت، لتفادي الاجتهادات المتضاربة في المستقبل.
٤. التأكيد على ضرورة التفرقة بين “الانسحاب النهائي” الذي ينهي المباراة ويستوجب خسارة النتيجة، و”الانسحاب المؤقت” الذي يتم تداركه وتفرض عليه العقوبات الانضباطية دون المساس بالنتيجة الفنية.
٥. العمل على توعية الأطراف الرياضية (الاتحادات والأندية واللاعبين والجهاز الفني) بالآثار القانونية المترتبة على مغادرة أرض الملعب أو رفض استكمال اللعب، والعقوبات الانضباطية التي يمكن توقيعها في مثل هذه الحالات.



