منوعات

في “شارع مسجد الفتح”.. عشرون عاماً من صيام الألفة وجيرة القلوب

 

سنابس: محمد الضامن
تصوير: منصور الحسن

على مقربة من نسائم بحر السنابس وفي تلك الأزقة الضيقة التي تختزل في حناياها قصصاً لا تنتهي من العطاء، يتجلى مشهدٌ يختصر معنى “الجيرة” في أسمى صورها. هناك، في الشارع المقابل لمسجد الفتح، تُفرش يومياً منذ عشرين عاماً “سفرة الحب” التي لم تكن يوماً مجرد موعد للإفطار، بل هي ميثاق يتجدد للألفة والوصل.
*ضيقُ المكان.. وسعةُ القلوب*
ذكر المصور منصور الحسن أن هذا الشارع وإن بدا صغيراً في أبعاده ومساحته، إلا أنه يضم في جنباته عالماً من المودة لا تسعه المسافات. فقيمته الحقيقية لا تُقاس بالأمتار، بل بذاكرة العشرين عاماً التي احتضنت وجوه العابرين والمقيمين. هنا، تذوب الحدود الضيقة لتصبح السفرة هي “البيت الكبير” الذي يجمع الجيران والأصدقاء، حيث تتلاقى القلوب قبل الأبدان في مشهد يفيض بروح الأخوة التي تعالت فوق ضيق المكان بفيضِ المحبة.
وأضاف المشهد الأكثر تأثيراً هنا هو رؤية “الأمانة” وهي تنتقل من يدٍ إلى يد؛ فالعادة التي أسسها الكبار، باتت اليوم تجري في عروق الشباب كإرثٍ لا يقبل الغياب. لا يمر يوم دون أن تشاهد الأطفال يتسابقون بعفوية وحماس لترتيب السفرة ونقل الصحون، يتشربون من كبار السن معنى الخدمة والبذل. هو تسلسلٌ حيّ يضمن بقاء هذه الروح، حيث يجلس الحفيد بجانب جده، والابن بجانب جاره، في حلقةٍ واحدة تُلغي فوارق السن وتصهر الجميع في بوتقة “العائلة الواحدة”
*أثرٌ يتجاوز اللقمة*
هذه السفرة ليست مجرد أطباق تُقدم، بل هي مدرسةٌ تربوية صامتة، أثرها يمتد ليزرع في نفوس الناشئة قيم التكافل والشعور بالآخر، ويخلق رابطاً وجدانياً عميقاً بالأرض والناس، صحون ” النقصة” التي تخرج من البيوت “طواعية” والمغلفة بالدعاء، هي رسائل حب متبادلة تبني جداراً من الثقة الاجتماعية لا تهزه رياح المتغيرات، وتؤكد أن “اللقمة المشتركة” هي أقوى الروابط التي تجمع المجتمع السنابسي الأصيل.
هذه اللحظات الجميلة التي التقطتها القلوب قبل العدسات، تأتي لتذكّرنا بأن رمضان هو شهر ” الألفة والوصال” في أجمل تجلياته، هي دعوة لاستعادة الدفء الإنساني، وتأكيدٌ على أن أجمل ما نتركه للأجيال القادمة ليس المادة، بل تلك الذكريات التي تُصنع بـ “الألفة”، وتُحفظ في ذاكرة “عشرين عاماً” من الجيرة الصادقة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com