المنتخب دقَّة قديمة ..!!!

حينما كنتُ ابنَ الثَّامنة في العامِ ألفٍ وتسعمائةٍ وأربعةٍ وثمانين للميلاد، وفي قريتي الصَّغيرةِ الواقعةِ أقصى جنوبِ وطني الحبيب المملكةِ العربيَّةِ السُّعوديَّة خاض منتخبنا الوطني نهائي كأس أُمم آسيا أمام المنتخب الصِّيني، ولم تكن قريتنا بعد قد عرفت التِّلفزيونات تلك المعرفة التي تجعلها تتواجد في كلِّ بيت، وكان في قريتنا دكَّانٌ صغيرٌ يبيع فيهِ صاحبه -الذي كنَّا نناديه تارةً باسمه العم علي، وتارةً بالكسَّار، ولِمَنْ لا يعرف معنى “الكسَّار” هو اسمٌ، أو لقبٌ يُطلق في منطقتنا على كلِّ مَنْ يمتلك دكَّانًا ويمارس البيع فيه، أي البائع صاحب الدُّكان، ولا أعرف سرَّ التَّسمية معرفةً دقيقة، وهل تشاركنا في التَّسميةِ ذاتها منطقةٌ أُخرى أم لا- كان يبيع في دكَّانه هذا بعض العصائر المعلَّبة، وأشياء بسيطة، ويمتلك تلفزيونًا صغيرًا جدًّا كان قد وضعه في دكَّانه ومَنْ أراد مشاهدة مباراة المنتخب حينها يدفع ريالًا، ولم أكن أعلم ذلك حين رأيت البعض يشاهد المباراة عنده في دكَّانه؛ فعدت للمنزل سريعًا عَلَّي أحصل على ريالين، ريالٍ أدفعه لمشاهدة المباراة، وريالٍ آخَر لأشتري به ذلك العصير الأحمر اللَّذيذ، عصير “فريكو” الذي يعرفه كلُّ جيل الطَّيبين؛ فلم أتحصَّل إلَّا على ريالٍ واحدٍ دفعته للعم علي حتَّى أدخل وأتابع النِّهائي أمام الصِّين، وبالفعل حدث ذلك، وكان العم علي رحمه اللَّه رجلًا طيِّبًا كريمًا حين أعطاني العصير الأحمر اللَّذيذ مقابل ذلك الرِّيال، وسمح لي بالمشاهدة أيضًا لتصبح وكأنَّها بالمجان؛ فكلُّ مَنْ أتى بريالٍ واحدٍ أخذ العصير، وشاهد المباراة التي عصَرَ فيها الأخضر السُّعودي في ذلك العصر، وتلك العصريَّة المنتخب الصِّيني؛ لـ “ترن” الشِّباك الصِّينيَّة بهدف المرحوم شائع النِّفيسة “النَّفيس”، وليسجِّل ماجد أحمد عبدالله هدفه الإعجازي التَّاريخي بعد أن “كسر طقم الصِّين كلَّه” .. لقد كان إنجازًا مذهلًا جسَّد في ذاكرتنا أنَّ المنتخب هو الوطن، كيف لا ونحن كنَّا نرى أجسادهم تتلَّطخ بطين سنغافورة، ولا يألون جهدًا في رفع رايةِ العزِّ خفَّاقة ..!
كيف لا ونحن نرى صالح النِّعيمة القائد الجنرال، أو المارشال الذي تشعر وكأنَّهُ يقود كتيبةً عسكريَّةً، أو جيشًا، لا فريق كرةِ قدم وهو يبكي إخلاصًا وتفانيًا، ومحمد عبدالجوَّاد يستبسل ويسدِّد بقوَّةٍ وإتقان، وصالح خليفة يحرث وسط الملعب ويرسم بريشةِ فنَّان ، ومحيسن الجمعان لا يبخل بقطرة عرق، ويلدغ الخصم من حيثُ لا يعلم، وماجد يجندِّل المدافعين واحدًا تلو الآخَر، ويحرس الكرة إلى المرمى بعد أنْ يُسقِط الحارس أرضًا بإيماءةِ عبقريّ، وإذا ما ارتقى دانت له كلُّ هامات الكرة، وخليل الزَّياني خليلُ المنجزات، وزينة المدرببن الوطنيِّين يركض في كلِّ اتِّجاه حتَّى يُخيَّل لك أنَّهُ سيطير من شدَّة الفرح ..!
إلى يومنا هذا والمنتخب بالنِّسبة لي ولجيلي شارةُ القيادة، وهيبتها على كتفِ النِّعيمة الذي يستميت دونها والعَلم، والكرة بين قدمي ماجد ذي السَّاقين المقوَّستين اللَّتينِ قوَّس بينهما تاريخًا لا يُنسى، ولا يُمحى، أو على رأسه الذَّهبية، وهو في كلِّ مرَّةٍ يرتقي ليبعث فينا الأمل، ويبدِّد الألم؛ فيحضر الفرح ويعم ..!
لقد ارتسمت هذه الصُّورة الذِّهنيَّة في عقول كلِّ السُّعوديين ليستحوذ المنتخب على عقولنا وقلوبنا التي أصبحت تكتسي فقط بلونه الأخضر ..!
لقد كان المنتخب بالفعل وطننا ..!
حين يلعب الأخضر السُّعودي يتوقَّف كلُّ شيء، ولا نجد شعورًا، ولا نشوةً أعظم من نشوة انتصاره، ونحن نسمع الطَّلالَين، طلال مداح صوت الأرض رحمه اللَّه، وهو بعد النَّصر والأهداف تُعاد أمامنا يغنِّي وكلُّهُ طربٌ وشجن لمنتخبِ أقدسِ أرض :
“يا ناس الأخضر لا لعب بركان يتفجَّر غضب .. منصور يا أغلى شعار يا سعودي يا أفضل منتخب” !
وطلال سلامة الصَّوت العذب، وهو يشدو :
“اللَّه اللَّه يا منتخبنا” !
وفنَّان العرب محمد عبده، وهو يصدح طروبًا :
“وين ما يروح الأخضر أنا ويَّاه .. بيَّضَ الوجه وما قصَّر ربِّي يرعاه” !
إنَّها نشوةٌ وطنيَّة لا زالت تهزُّ القلوب، وتجعل الأبدان تقشعرُّ حتَّى الآن، وكأنَّ المباراة تُبث الآن، والكأس تُرفع الآن؛ فمَنْ سلبَ مِنَّا كلَّ هذه المشاعر التي تُحيي الرُّوح والوجدان ..؟!
كم يملؤنا التِّحنان لذلك الزَّمان، الزَّمان الذي كان فيه المنتخب حاسمًا قاطعًا مثل “الفيصل”، وبروحٍ وثَّابةٍ شجاعةٍ كـ “الفهد” .. إنَّها روحُ المرحومِ “فيصل بن فهد” ..!
لقد أصبح الأخضر وهو لون الحياة باهتًا، والكلُّ من حوله شاحبًا .. لا أحد يهتمُّ لأمره، أو يأتمر تحت رايةِ عِزِّه؛ فهذا لاعبٌ لا يعرف شيئًا عن قيمته، وذاك مسؤولٌ أنزلَهُ من قِمَّته لنرى كلَّ يومٍ مدرِّبًا، ومديرَ كرة، وربَّما ما خفي كان أعظم ..!
وذلك واهمٌ خدعوه فقالوا له أنت أسطورة حتَّى بات لا ينظر إلَّا للسَّماءِ مُجرَّدَ خُيلاء، لا نظرةَ إنجازٍ وانتماء ..!
المنتخب السُّعودي تاريخٌ، وتراثٌ أصيل يجبُ (إحياؤه)، وليس مجرَّد “موضة” انتهى وقتها، أو “دقَّة قديمة”، و”برستيج” البعض أكبر منه، أو في غيره؛ ليُترك هكذا ويُهمل حتَّى يندثر، ويُعلَن (اختفاؤه) ..!!!



