مقالات رأي

عبدالمحسن الجحلان يكتب:” الرائد بين التاريخ والغياب”

 

حين نتحدث عن الرائد، فإننا لا نتحدث عن فريق كرة قدم عابر، بل عن تاريخ طويل وكيان ارتبط اسمه برياضة القصيم، وصنع لنفسه مكانة خاصة في ذاكرة جماهير المنطقة والكرة السعودية.

الرائد.. عميد أندية القصيم، و«الرائد العنيد» كما يحلو لعشاقه أن يسموه، ذلك الفريق الذي طالما أطرب جماهيره، وكتب فصولًا لا تُنسى من التحدي والإصرار، وكان أول فريق من القصيم يصعد إلى دوري الكبار بعد انتصاره على التعاون في «مباراة المطر» الشهيرة، تلك المباراة التي بقيت محفورة في الذاكرة الرائدية، باعتبارها محطة تاريخية صنعت فرحة لا تُنسى.

وللرائد بالنسبة لي حكاية تتجاوز حدود التشجيع والحديث عن كرة القدم؛ فأنا عبدالمحسن الجحلان، تشرفت بارتداء شعار هذا الكيان واللعب ضمن صفوفه في أول موسم له بين الكبار، وكنت واحدًا من أفراد تلك المجموعة التي عاشت مرحلة تاريخية جميلة من مسيرة النادي.

كانت تجربة أعتز بها كثيرًا، وصنعت بيني وبين الرائد علاقة لا تختصرها السنوات ولا تغيرها الظروف. لذلك سيبقى لهذا النادي مكانة خاصة في قلبي، مكانة لا يمكن أن تتبدل مهما تعاقبت الأيام والمواسم.

وحين أتحدث اليوم عن الرائد وواقعه، فإنني لا أتحدث من بعيد، ولا أكتب لمجرد النقد، وإنما أتحدث عن نادٍ كنت يومًا جزءًا منه، وحملت شعاره، وعشت معه مرحلة ستظل حاضرة في ذاكرتي. ومن هذا المنطلق يؤلمني أن أراه بعيدًا عن المكانة التي يستحقها، وأتمنى دائمًا أن أشاهد الرائد في أفضل المواقع، قويًا ومنافسًا وحاضرًا كما عرفناه.

ومن يعرف الرائد جيدًا يعرف أن اليأس لم يكن يومًا جزءًا من شخصيته. تعثر مرات، وواجه ظروفًا صعبة، لكنه كان يعود ويقاتل من جديد. كانت له صولات وجولات أمام كبار الكرة السعودية، وانتصر على الهلال والنصر والأهلي والاتحاد والشباب، ولم يكن حضوره أمام تلك الفرق لمجرد تسجيل المشاركة، بل كان في كثير من المناسبات خصمًا عنيدًا يفرض احترامه داخل الملعب.

وليس ذلك من التاريخ البعيد فقط؛ ففي الأمس القريب وصل الرائد إلى نصف نهائي كأس الملك، وكان قريبًا من بلوغ المباراة النهائية، ليؤكد أن هذا الكيان قادر على المنافسة متى ما توافرت له الظروف المناسبة والإدارة التي تستطيع استثمار إمكاناته.

لكن السؤال الذي يطرحه كل محب اليوم: أين ذلك الرائد؟

ما يحدث للنادي في الفترة الحالية لا يرضي جماهيره ولا محبيه، ولا يتناسب مع اسمه وتاريخه وقاعدته الجماهيرية. الفريق توارى كثيرًا عن الصورة التي عرفناه بها، وأصبحت جماهيره تراقب واقعه بقلق وحسرة، وهي التي اعتادت أن ترى «الرائد العنيد» يقاتل حتى اللحظة الأخيرة.

ولا يمكن أن نحمّل اللاعبين وحدهم مسؤولية كل إخفاق، فالتراجع الرياضي غالبًا ما تسبقه أخطاء وتراكمات إدارية. كرة القدم الحديثة لم تعد أسماءً داخل المستطيل الأخضر فقط؛ بل أصبحت إدارة وتخطيطًا واستقرارًا وقرارات مدروسة، ومن دون منظومة إدارية قوية يصبح من الصعب على أي فريق أن يحافظ على مكانته مهما امتلك من إمكانات.

وهنا تحديدًا تكمن حاجة الرائد اليوم.

الرائد لا يحتاج إلى مسكنات مؤقتة، ولا إلى حلول تنتهي بانتهاء موسم، بل يحتاج إلى هندسة إدارية حقيقية تعيد ترتيب البيت الرائدي، وتحدد المسؤوليات، وتضع مشروعًا واضحًا يعيد للنادي شخصيته وهيبته ومكانته.

فهذا النادي يمتلك الكثير من المقومات التي تتمناها أندية أخرى. يمتلك التاريخ، ويمتلك الرجال الذين خدموه ووقفوا معه، ويمتلك قاعدة جماهيرية كبيرة وعاشقة، ويمتلك اسمًا له وزنه وحضوره في كرة القدم السعودية.

إذن، ماذا ينقص الرائد؟

ينقصه أن تجتمع كل هذه المقومات تحت مظلة واحدة، وأن تتوحد الجهود بعيدًا عن الخلافات والحسابات الشخصية. الرائد اليوم بحاجة إلى وقفة جماعية صادقة من رجالاته ومحبيه وجماهيره، لأن إعادة هذا الكيان إلى مكانه الطبيعي أكبر من أي اسم، وأهم من أي اختلاف.

الجمهور الرائدي يستحق فريقًا يليق به. ذلك الجمهور الذي وقف خلف ناديه في الانتصارات والانكسارات، وفي الصعود والهبوط، وفي أجمل المواسم وأصعبها، لا يطلب المستحيل؛ يريد أن يرى فريقًا يقاتل، وإدارة تعرف ماذا تريد، وخطة واضحة لا تتغير مع كل نتيجة أو موسم.

الرائد رقم مهم في رياضة القصيم، ورقم مهم في خارطة كرة القدم السعودية، ووجوده بين الكبار ليس مجرد أمنية لجماهيره، بل مكانة صنعها النادي عبر سنوات طويلة من المنافسة والكفاح.

لذلك فإن المرحلة المقبلة تحتاج إلى اجتماع الكلمة قبل أي شيء آخر. ننتظر ذلك اليوم الذي يجتمع فيه الرائديون من أجل الرائد فقط، وتُفتح فيه صفحة جديدة عنوانها العمل والتخطيط والاستقرار، وتأتي إدارة قادرة على استثمار قيمة النادي وجماهيريته وتاريخه، وإعادة بناء الفريق وفق رؤية فنية وإدارية واضحة.

فالمال وحده لا يصنع النجاح، واللاعبون وحدهم لا يصنعونه، والجماهير وحدها مهما بلغ عشقها لا تستطيع تغيير الواقع؛ النجاح يبدأ عندما تعمل الإدارة واللاعبون والرجالات والجماهير في اتجاه واحد.

لقد تعثر الرائد من قبل وعاد، وسقط ونهض، وواجه الصعاب وانتصر عليها، ولهذا فإن عودته ليست مستحيلة.

وأقولها من القلب، بصفتي أحد من تشرفوا يومًا بارتداء شعاره: الرائد بالنسبة لي ليس مجرد فريق لعبت له، بل ذكرى جميلة ومكانة في القلب لا تتبدل. وسيظل حلمي أن أراه دائمًا شامخًا، قويًا، منافسًا، وفي المكان الذي يليق باسمه وتاريخه وجماهيره.

الرائد يملك المقومات، ويملك الجماهير، ويملك الرجال، ويملك التاريخ، وما يحتاجه اليوم هو تلك الهندسة الإدارية التي تجمع كل هذه القوة وتضعها في الطريق الصحيح.

فمتى يعود رائد القصيم؟

جماهيره تنتظر الإجابة، وننتظر معها ذلك اليوم الذي يعود فيه «الرائد العنيد» إلى مكانه الطبيعي.. بين الكبار..

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com