تجربة الماتادور.. من يستنسخها؟

ليس ببعيدٍ تتويج المنتخب الإسباني بكأس العالم 2026، بعدما دخل الفريق البطولة وسط حالة من الهدوء، وبعيدًا عن صخب الترشيحات والضغوط الإعلامية. بل إن الكثيرين استبعدوا إسبانيا من دائرة المنافسة على اللقب، وجاء التعادل أمام منتخب الرأس الأخضر ليبدو دليلًا على صحة تلك الترشيحات، وكأن الماتادور الإسباني سيكون مجرد عابر في البطولة.
لكن الفريق انتفض بعد ذلك، وقدم أداءً خرافيًا أمام المنتخب السعودي، قبل أن يواصل عروضه الراقية، ويتصاعد مستواه من مباراة إلى أخرى، حتى تحول من منتخبٍ غير مرشح إلى بطلٍ عالمي.
تجربة إسبانيا لم تكن وليدة الصدفة، بل كانت نتاج مشروع كروي طويل الأمد. فريقٌ تشكل عبر منظومة متكاملة، بدأت من الأكاديميات الإسبانية، مرورًا بمراحل الفئات العمرية المختلفة، وصولًا إلى المنتخب الأول. اللاعب الإسباني لا يصل إلى القمة مصادفة، وإنما يتدرج ويتسلق السلم الكروي خطوة بعد خطوة (Step by Step)، وفق فلسفة واضحة تقوم على التطوير المستمر وصناعة اللاعب قبل صناعة الفريق.
أما القيادة، فكانت بيد رجلٍ مجهول تقريبًا لدى الكثيرين، بل حتى الصحافة والإعلام الإسباني لم يكونا ينظران إليه في البداية باعتباره الرجل الذي سيقود إسبانيا إلى المجد. إنه لويس دي لوفينتي، المدرب الذي امتلك كاريزما خاصة، وعرف كيف يتعامل مع الظروف، وكيف يحافظ على هدوء المجموعة، ويمنح اللاعبين الثقة اللازمة لتقديم أفضل ما لديهم.
نجاح التجربة الإسبانية يطرح سؤالًا مهمًا: من يستطيع استنساخ تجربة الماتدور؟
الإجابة ليست في تقليد أسلوب اللعب فقط، ولا في استقطاب مدرب إسباني أو شراء مجموعة من اللاعبين الموهوبين، بل في بناء منظومة كاملة تبدأ من القاعدة. الأكاديميات، والمدارس الكروية، وتأهيل المدربين، واكتشاف المواهب، ووضع خطة تمتد لسنوات، بعيدًا عن القرارات المؤقتة وردود الأفعال.
تجربة إسبانيا تقول إن صناعة المنتخب القوي تبدأ قبل سنوات طويلة من لحظة رفع الكأس. ومن يريد أن يستنسخ تجربة الماتدور، عليه أولًا أن يستنسخ الفكرة والمنظومة والصبر، لا أن يكتفي باستنساخ النتيجة.



