سمو الأمير تركي بن طلال يفاجئ «ساقية الفنون»: «لم أُدْعَ ولكن.. لا أحتاج إلى دعوة»
في أمسية «أبها: الماضي.. القيمة.. الجمال.. الأهمية».. التاريخ والأدب يستعيدان ذاكرة المدينة

أبها – قراءة وتوثيق: سلطان الشلتي
شهدت «ساقية الفنون» بأبها، مساء الأحد (9 أغسطس 2026م)، أمسية ثقافية تناولت تاريخ أبها وأدبها، ضمن ندوة بعنوان: «أبها: الماضي.. القيمة.. الجمال.. الأهمية»، أقامتها «الساقية» بالتعاون مع «نادي أبها الأدبي»، بحضور نخبة من المثقفين والمهتمين بتاريخ أبها وتراثها وهويتها الثقافية.
واكتسبت الأمسية حضورًا لافتًا بوصول صاحب السمو الملكي الأمير تركي بن طلال، أمير منطقة عسير، إلى «ساقية الفنون» خلال جولته المعتادة برفقة عدد من ضيوفه؛ حيث جلس بين الحضور متابعًا ومتفاعلًا مع المشاركين، في حضور عفوي بعيد عن الرسميات.
ووجّه سموه شكره إلى المتحدثين والفنان التشكيلي عبدالله شاهر، صاحب «ساقية الفنون»، قائلًا:
«لم أُدْعَ ولكن.. لا أحتاج إلى دعوة»
وجاء حضور سموه متزامنًا مع طَرْحٍ تناول علاقة أبها بالمكان والإنسان، وما تختزنه من إرث ثقافي وتاريخي؛ حيث قدّم الندوة كلٌّ من المؤرخ والأكاديمي الدكتور محمد بن عبدالله آل زلفة، والأديب والشاعر والإعلامي الأستاذ أحمد بن عبدالله عسيري، عبر أربعة محاور رئيسة توزعت بين ماضي أبها وجذورها وهويتها، وقيمتها التاريخية والثقافية، وجمالها الطبيعي والمعماري، وصولًا إلى حاضرها ورؤيتها المستقبلية التي تعكس طموح أبنائها.
اهتمام بالتاريخ ورؤية للذاكرة البصرية
اهتمام بالتاريخ ورؤية للذاكرة البصرية
وأبدى سمو أمير منطقة عسير اهتمامه بـ«مركز عسير التاريخي»، الذي يُعْنَى بتوثيق تاريخ المنطقة وهويتها ضمن التاريخ الوطني الشمولي، عبر المصادر المقروءة والمسموعة والمرئية والشفهية، ويبرز الإرث الثقافي والتاريخي وفق فلسفة تاريخية حديثة تتوافق مع المرحلة الحالية والمستقبلية لاستراتيجية الوطن.
وقبل مغادرته، أشار سموه إلى إحدى لوحات الفنان عبدالله شاهر المعلقة خلف المنصة الرئيسية، والتي تجسد مشهدًا قديمًا لأبها بتفاصيلها التراثية وبيوتها الطينية، معلّقًا عليها بقوله:
«اللوحة هذي تغني عن ألف تلفزيون»
وجاء تعليق سموه في سياق ما تجسده اللوحة من ملامح المكان وتفاصيله التراثية، وما تستحضره من ذاكرة بصرية لمدينة أبها.
من التاريخ والأدب.. قراءة في الإنسان والمكان
افتتح الأستاذ أحمد عسيري الندوة، مستعرضًا أبها من زاوية أدبية وثقافية، فيما تناول الدكتور محمد آل زلفة المرجعية التاريخية والجوانب الاجتماعية والثقافية لمدينة أبها.
واستهلّ آل زلفة حديثه باستحضار ذاكرة أبها الممتدة لأكثر من ألف عام، وما تمثله من عُمْق حضاري وموقع جغرافي أسهما في تشكيل شخصيتها وصلاتها بمحيطها الاجتماعي، متطرقًا إلى ما تختزنه أحياؤها وبيوتها التراثية من شواهد حية على حياة أجيال متعاقبة، ومؤكدًا أن فهم تاريخ المكان لا ينفصل عن استيعاب تجربة الإنسان الذي عاش فيها وأسهم في تشكيل هويته.
وفي البُعد السياسي والتاريخي، تناول آل زلفة روابط عسير مع الدولة السعودية الأولى منذ أواخر القرن الثاني عشر وأوائل القرن الثالث عشر الهجري، وصولًا إلى عهد الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود -طيب الله ثراه-؛ موضحًا ما ارتبط بتلك المراحل من تحولات ومواقف أسهمت في ترسيخ الوحدة الوطنية، وتعزيز حضور عسير في التاريخ الوطني.
كما شدد آل زلفة على أهمية الدراسات والبحوث التاريخية، وضرورة مشاركة المجتمع في نشر المعرفة وتدوين التاريخ الاجتماعي لأبها، مستعرضًا منهجية التعامل مع الوثائق والمصادر التاريخية، ومؤكدًا أهمية الالتزام بالصرامة العلمية في مواجهة الشائعات، والتحقق من المعلومات للوصول إلى الحقيقة الموثقة.
وتكاملت بذلك محاور الندوة الأربعة: الماضي، والقيمة، والجمال، والأهمية؛ إذ استحضر الماضي ذاكرة المكان، وكشفت القيمة ما تمثله أبها للإنسان والمجتمع، فيما تناول الجمال ملامحها الطبيعية والمعمارية، وصولًا إلى أهمية الحفاظ على هويتها ومكانتها في الحاضر والمستقبل.
«ساقية الفنون».. مساحة مفتوحة لذاكرة أبها
ولم يقتصر دور «ساقية الفنون» في الأمسية على استضافة اللقاء، إذ يمثل المكان مساحة تجمع الفن والأدب والشعر والمعارض والدورات واللقاءات، ويتيح لأهالي أبها وزوارها مساحة للتفاعل الثقافي.
وقال مالك ومؤسس «ساقية الفنون»، الفنان التشكيلي عبدالله شاهر، لـ«صحيفة الكأس»:
«كانت ليلة استثنائية بكل شيء بوجود قامتين كبيرتين، المحاضر المؤرخ والأكاديمي الكبير الدكتور محمد آل زلفة، والأستاذ الأديب والشاعر أحمد بن عبدالله عسيري، وهما يحكيان تاريخ وإرث مدينة أبها بكل تفاصيلها. وزيارة سمو الأمير تركي المفاجئة أضافت بعدًا اجتماعيًا كبيرًا ومميزًا، من خلال ما يقوم به سموه من جولات دائمة للبحث والدعم والحضور اللافت لسموه، وفي الحقيقة زيارته للساقية مقدرة من جميع الأبهاويين.
شكرًا لسموه، وهذا هو تركي بن طلال؛ من حيث تذهب في عسير تجده داعمًا وحاضرًا لكل منشط».
وأضاف شاهر موضحًا رسالة «ساقية الفنون»:
«أنشئت ساقية الفنون لتكون رافدًا وملاذًا للأبهاويين وزوارها، تجد فيها الأدب والفن والحكايات والمعارض، وهي مكان لذاكرة أبها الحقيقية، حيث تضم الساقية جدارية خُصصت لـ475 شخصية من أعيان ورجالات أبها المتوفين رحمهم الله، الذين رحلوا بعد أن قدموا خدمات جليلة للوطن والمدينة، حيث تخلد الساقية ذكرى وفائهم للأجيال القادمة.
كما استضافت الساقية عددًا من الأمسيات التوثيقية لأحياء أبها، وعددًا من المعارض والدورات، امتدادًا لرسالتنا في توثيق كل ما يخص مدينتنا وأهلها، ورعاية المواهب والتعريف بالفن الأصيل، وآخرها الندوة المميزة لقامتين من أبناء الوطن، د. محمد آل زلفة وأ. أحمد عسيري، وقد كانت أبها محور الحديث».
التيهاني: الشراكات تعيد للمؤسسات الثقافية أهليتها
وبعد الأمسية، خصّ الشاعر والناقد الأكاديمي الدكتور أحمد التيهاني «صحيفة الكأس» بقراءة حول دور هذه اللقاءات والشراكات في توثيق تاريخ المدينة وتعزيز الحراك الثقافي، قائلًا:
«هذه الندوات والمسامرات شكل من أشكال الموارشة لإنتاج أفكار توثيقية، ومعرفة الباقين من القادرين على بسط معلومات شفاهية تتعلق بمدينة أبها وأحيائها ورجالها ونسائها وبيوتها وأحيائها، فضلًا عن أنها دالة على المجتمع الأبهاوي المؤتلف. هي ليست كلامًا مجردًا -كما أرى- وإنما هي أعمق وأهم من ذلك، من غير جهة؛ لأنها تنتج أفكارًا، وتطور هذه الأفكار، من أجل كتابة تاريخ مدينة يحتاج إلى مزيد من الأسئلة والاستقصاء».
وأضاف التيهاني:
«المرحلة -عمومًا- هي مرحلة الشراكات، بعد انقضاء مرحلة العمل المؤسساتي المنفرد، ومزية الشراكات أنها تزيل أوهام النخبوية، وتقرب المؤسسات الثقافية ممن كانوا يظنونها “كنتونات” مغلقة، خاصة بفئات معينة؛ ذلك أن الفعاليات المشتركة بين المؤسسات الثقافية والعمل المجتمعي الأهلي، تعيد إلى المؤسسات أهليتها».
عقب انتهاء الأمسية.. عسيري لـ«الكأس»: المكان بين النص الأدبي والشعر.. ذاكرة وهوية، ويهدي القراء «الشعر أبها»
وعن تجلّي روح المكان بين الماضي والحاضر في النص الأدبي، قال عسيري لـ«صحيفة الكأس»:
«المكان حياة حين يتحول إلى رؤية ذوقية وجمالية ومرئيات ملتحمة مع الهوية والجذر التاريخي، ولذا فالنص الأدبي حين يشتبك مع الواقع الحياتي للإنسان يتحول إلى نسق وكائن حي، يتعالق مع المعاش من كوامن النفس البشرية، وفضاءات الروح وتباريح المعاناة، كل هذه الحواضن كانت الوعاء الأشهى لكل المبدعين الصادقين، لكونها العلائق الممتدة ما بين النص والمكان، بكل موجوداته وموحياته وجدلياته، ومواريثه البيئية ومداراته وسيرورته المدهشة والمبهرة، والتي يصعب مشابهته أو مماثلته.
ولذا فالمكان له فلسفته وحضوره الطاغي وبلاغته وصورته البصرية ما بين التجريد والتجسيد، وعبقرية الحضور والمقاربة واستدعاء الماضي ومثوله في الحاضر».
وفي الختام، أهدى الشاعر أحمد عسيري قراء «صحيفة الكأس» قصيدته «الشعر أبها»، مستحضرًا فيها ملامح المدينة وذاكرتها، وممتدًا من المكان إلى الإنسان والوطن:
«الشعر أبها» – ١٤٤٥هـ
الشعر أبها وثوب الشعر كاسيها
ترنيمة من ثغور العطر في فيها
مليحة أبدع الرحمن خلقتها
تكاد من حسنها تشكو لأهليها
ما الناس إلا أسارى قيد فتنتها
قصيدة من بنات الريح توحيها
تحدو القوافي كما تهديل ساجعة
سالت على الليل إطباقا وتشبيها
حورية الشعر هذا الشعر محتشد
في جيد عرعرة أو بوح شاديها
أنفاسك الطيب ما مرت على بشر
إلا تبتل في فردوس واديها
أغرى به السحر فاهتزت مشاعره
فهام في خلوة حبا يناجيها
أبها الحضارات في عينيك ومض سنى
فجر على الأرض تطويه ويطويها
رعاتك السمر في سفح ورابية
شبابة أيقظت في الدوح غافيها
فلاحك الصبر يهمي صوته سحرا
كأنما صار نبعا في مغانيها
ورقصة الطين كم يشجيك هازجها
على رخيم من الأنغام يشجيها
(قيثارة الشرق) غنى في مرابعها
هل (شفت أبها) وقد حنت مراعيها؟
عشبية الشوق إن الشعر يبعثنا
ريحانة أزهرت في روح ساقيها
فعرسك اليوم عرس جاء مرتديا
بواسق القول يسري في مجاليها
هذي عسير ديار الحلم أيقظها
نهر العطاء فماست في الورى تيها
فما بناه لنا الآباء متكأ
في جعل حاضرها يسمو كماضيها
هذي خطاك رؤى خضراء عابقة
فمن سوانا بعام الشعر يوفيها؟
بلادنا هامة الدنيا وعزتها
فما لنا غيرها بالعز نبنيها
يخضر فوق ثراها صبح وثبتها
في موكب رائع التسيار يزجيها
شعت على مفرق التاريخ (رؤيتنا)
حتى انحنى الكون إجلالا يحييها
سموت يا موطني تحدو مواكبه
قلوب شعب له تمشي رواسيها
انظر تر هامة في الأفق جامحة
كأنها لجراح الكون واسيها
ما مات في موطني حلم نؤمله
فكل أحلامنا بيض لياليها
يا سادة الشعر إن الشعر في دمنا
لفح يفور على الأرواح يذكيها
يا سادة الشعر إن الشعر مدفأة
لتمتمات شتاء جن سافيها
يا سادة الشعر إن الشعر خاطرة
بين المحبين تضنيه ويضنيها
يا مبدع الشعر إن الشعر مروحة
لمهجة كادت الجمرات تمحيها
يا عاشق الشعر إن الشعر مسرجة
تضيء في أضلع أغشت دياجيها
يا سادة الشعر إن الشعر عاصفة
في وجه من أضمرت حقدًا أعاديها
في موقف مثل حد السيف غضبتنا
رواية في فم الأدهار ترويها
طاروا لخوض المنايا حين مصطخب
وأرخصوا النفس للأوطان تفديها
كأنهم في أريج الموت صاعقة
هبت تمزق أعداء وتذريها
هنا وقفت لأتلو بضع قافية
في محفل لحماة الشعر أهديها
قبيلة الشعر إن القوم في وله
(أكرم بسامعها أعظم بملقيها)
هيا ازرعوا في ليالي الشعر دالية
ملذوذة الطعم قطفًا من أعاليها
وجمعت هذه الليلة القيادة والإنسان، والتاريخ والحاضر، والفن والأدب، لتؤكد أن أبها ليست مجرد مدينة تستعيد ماضيها، بل مدينة تحفظ إرثها وتستحضر ملامحه في حاضرها، وتمضي نحو غد أبهى يليق بمكانتها وتاريخها.



