دوري «الليغ».. كيف أيقظت أرامكو شغف كرة القدم في الرمال الشرقية؟

الدمام: عبدالله العبيدي
في الوقت الذي كانت فيه أعمال التنقيب عن النفط ترسم ملامح مرحلة جديدة في تاريخ الظهران والخبر خلال أربعينيات القرن الماضي، كانت ملاعب أرامكو الترابية تحتضن منافسات كروية أسهمت في تشكيل بدايات كرة القدم الحديثة في المنطقة الشرقية. وبين أجواء العمل في حقول النفط ومساكن الموظفين، برز دوري «الليغ» بوصفه إحدى المحطات المهمة في تاريخ اللعبة بالمنطقة، جامعًا موظفين وعمالًا من خلفيات ثقافية متعددة حول شغف رياضي أخذ يتسع مع نمو صناعة النفط.
مثّلت البطولة تجربة رياضية واجتماعية مبكرة، امتد أثرها إلى المجتمعات المحيطة بأرامكو، وأسهمت في نشر كرة القدم وتوسيع قاعدة ممارسيها، وتهيئة بيئة استقطبت اهتمام أبناء الدمام والخبر والقطيف والمدن المجاورة.
*الشرارة الأولى.. كرة القدم تعبر بوابة أرامكو*
مع توسع صناعة النفط في المنطقة الشرقية، استقطبت أرامكو موظفين وعمالًا من جنسيات وخلفيات متعددة، حملوا معهم تجاربهم المهنية واهتماماتهم الرياضية، وفي مقدمتها كرة القدم. وتحولت ساعات ما بعد العمل إلى فرصة للعب والتنافس على الملاعب الترابية، حيث التقت ثقافات مختلفة حول شغف مشترك.
وتشير مجلة «أرامكو العالمية»، في تقريرها المنشور عام 1963 بعنوان «كرة القدم والبيسبول في الجزيرة العربية»، إلى أن تشكيل الفرق غير الرسمية بدأ عام 1946، بمشاركة أبناء المملكة العربية السعودية القادمين من المنطقة الغربية، وأبناء مملكة البحرين، إلى جانب عمال من الجاليتين السودانية والإيطالية. وأسهم هذا التنوع في إثراء التجربة الكروية داخل أرامكو، حيث تلاقت الخبرات وتبادلت الأجيال مهارات اللعبة.
وكان اللاعبون القادمون من بيئات عرفت كرة القدم في وقت مبكر جزءًا من عملية انتقال المعرفة الكروية إلى الشباب في المنطقة الشرقية، لتجد اللعبة طريقها تدريجيًا إلى أحياء الدمام والخبر والقطيف، وتتحول إلى نشاط يحظى باهتمام متزايد بين السكان.
وفي عام 1948، أدرجت أرامكو كرة القدم رسميًا ضمن برنامجها الترفيهي، ونظمت جدولًا للمباريات بين الفرق، مع توفير الملاعب والمعدات ووسائل النقل. وأسهم هذا التنظيم في تطوير المنافسات وتحويلها إلى نشاط رياضي أكثر انتظامًا، ارتبط باسم «الليغ» وأصبح علامة بارزة في الذاكرة الكروية للمنطقة الشرقية.
*الليغ.. مدرسة رياضية وملتقى اجتماعي*
قدمت ملاعب أرامكو نموذجًا مبكرًا للتفاعل بين ثقافات متعددة داخل بيئة العمل. فقد جمعت المباريات موظفين وعمالًا من جنسيات مختلفة، يحمل كل منهم خبرته الرياضية وخلفيته الثقافية، وأتاحت للاعبين السعوديين الاحتكاك بهم واكتساب مهارات جديدة في التمرير والتسديد والتحرك الجماعي وتنظيم اللعب.
ومع توالي المباريات، أصبحت كرة القدم وسيلة للتواصل والتعارف خارج ساعات العمل، كما أتاحت لأبناء المنطقة فرصة متابعة الفرق والتعرف على قواعد اللعبة وأساليبها. واتسعت قاعدة المهتمين بكرة القدم، وانتقل الشغف من ملاعب الشركة إلى الأحياء والمجتمعات المحيطة بها.
وأسهمت هذه التجربة في نشر الثقافة الكروية، وتطوير مهارات اللاعبين، وتشجيع الشباب على تشكيل الفرق وممارسة اللعبة بصورة أكثر انتظامًا. وهكذا تحولت ملاعب أرامكو إلى مساحة جمعت بين الترفيه والتعلم والتنافس الرياضي، وأسهمت في بناء قاعدة شعبية لكرة القدم في المنطقة الشرقية.
كما أتاح الاحتكاك بين اللاعبين تبادل الخبرات وأساليب اللعب، في مرحلة كانت فيها كرة القدم تتخذ خطواتها الأولى نحو الانتشار المنظم في مدن المنطقة، لتصبح تدريجيًا جزءًا من الحياة الاجتماعية والرياضية للأجيال الجديدة.
*من ملاعب الشركة إلى نهضة الأندية*
امتد الحراك الكروي إلى مدن المنطقة الشرقية، حيث بدأ المهتمون باللعبة تنظيم فرقهم وتكوين تجمعات رياضية محلية. وأصبحت الخبرات التي اكتسبها اللاعبون داخل أرامكو جزءًا من المشهد الرياضي الذي شهدته الدمام والخبر وسيهات وغيرها من مدن المنطقة.
وشهدت تلك المرحلة نموًا في الفرق والتجمعات الرياضية، بالتزامن مع توسع المدن وازدياد النشاط الاجتماعي والاقتصادي. ومع انتشار اللعبة، أخذت كرة القدم مكانة متنامية في حياة الشباب، وظهرت مبادرات محلية أسهمت في تنظيم المباريات وتطوير الفرق واستقطاب المواهب.
وفي هذا السياق، تبرز أندية الاتفاق والخليج والقادسية ضمن تاريخ تطور كرة القدم في المنطقة الشرقية، التي أصبحت إحدى المناطق المؤثرة في مسيرة اللعبة بالمملكة. وقد تشكل هذا التاريخ عبر مجموعة من العوامل، شملت انتقال الخبرات بين اللاعبين، وتزايد اهتمام الشباب بالمباريات، وتوفير الإمكانات الرياضية، إلى جانب المبادرات المحلية التي ساعدت على تكوين الفرق وتطويرها.
وتناولت مجلة «أرامكو العالمية» في تقريرها الصادر عام 1963 دور فرق الشركة في نشر كرة القدم، والدعم الذي قدمته أرامكو للأندية التي أسسها موظفوها. كما أشارت إلى مشاركة لاعبين من فرق أرامكو في فرق الأندية المحلية، بما يعكس التداخل بين الرياضة داخل الشركة والحياة الرياضية في المجتمع المحيط بها.
ومع مرور الوقت، تطورت الحركة الكروية المحلية، واكتسبت الأندية حضورًا جماهيريًا وتاريخًا رياضيًا امتد عبر الأجيال، لترسخ المنطقة الشرقية مكانتها ضمن أبرز البيئات الحاضنة لكرة القدم السعودية.
*من ملاعب الليغ إلى ملعب أرامكو في الخبر*
بعد عقود من تلك البدايات، تتواصل علاقة أرامكو بكرة القدم في المنطقة الشرقية من خلال مشروع ملعب أرامكو الجديد في مدينة الخبر، الذي يجسد تطور المشهد الرياضي من الملاعب الترابية إلى المنشآت الحديثة المصممة لاستضافة المنافسات الكبرى.
وبدأت أعمال إنشاء الملعب رسميًا في 31 يوليو 2024، ضمن مشروع بالتعاون مع مجموعة روشن، وبطاقة استيعابية تبلغ نحو 47 ألف متفرج. ويُخطط للملعب ليكون الملعب الرئيس لنادي القادسية، ووجهة لاستضافة الفعاليات الرياضية والترفيهية الكبرى.
ويستوحي الملعب تصميمه المعماري من الدوامات المائية التي تتشكل على سواحل الخليج العربي، في صورة تجمع بين هوية المنطقة والابتكار الهندسي. ويضم المشروع مرافق حديثة وتقنيات متطورة لخدمة الجماهير واللاعبين، بما يعزز تجربة حضور المباريات والفعاليات الرياضية.
ووفق الجدول الزمني المعلن للمشروع، كان من المقرر اكتمال أعمال البناء في أواخر عام 2026، فيما أُدرج الملعب ضمن المنشآت المخصصة لاستضافة مباريات كأس آسيا 2027 وكأس العالم 2034. ويعكس المشروع تطلعات المنطقة الشرقية إلى تعزيز حضورها الرياضي، واستقطاب الفعاليات الكبرى، وتوفير تجربة متطورة للجماهير.
ويمثل الملعب امتدادًا معاصرًا للحضور الرياضي لأرامكو؛ فالشركة التي وفرت الملاعب والمعدات ووسائل النقل لفرق الموظفين في منتصف القرن الماضي، تشارك اليوم في تطوير منشأة رياضية حديثة تستهدف استضافة الجماهير والبطولات الكبرى، إلى جانب دعم الأنشطة الرياضية والمجتمعية.
وبين ملاعب الليغ الترابية وملعب أرامكو الحديث، تتجسد رحلة طويلة من التطور الرياضي، انتقلت خلالها كرة القدم من منافسات الموظفين إلى منظومة رياضية واسعة تستقطب الجماهير وتستضيف البطولات الدولية.
حكاية بدأت بشغف واستمرت عبر الأجيال
تجمع قصة «الليغ» بين تاريخ النفط والتحولات الاجتماعية والرياضية التي شهدتها المنطقة الشرقية. ففي مرحلة كانت فيها مدن المنطقة تتشكل وتتوسع، أتاحت ملاعب أرامكو فرصة للقاء الثقافات وتبادل الخبرات، وأسهمت في توسيع قاعدة المهتمين بكرة القدم وتهيئة بيئة لنمو الفرق المحلية.
واليوم، تمضي المنطقة نحو مرحلة جديدة من تاريخها الرياضي مع ملعب أرامكو في الخبر، بما يمثله من إمكانات لاستضافة المنافسات الكبرى وتطوير تجربة الجماهير واللاعبين، وتعزيز حضور المنطقة على خارطة الرياضة الدولية.
وبين البدايات الترابية والمنشآت الحديثة، تمتد حكاية تربط أجيال المنطقة الشرقية؛ من أبناء المملكة ومملكة البحرين وأفراد الجاليات العربية والأوروبية الذين اجتمعوا حول الكرة في ملاعب أرامكو، إلى جماهير تترقب البطولات على أرضية ملعب حديث بمعايير عالمية.
إنها حكاية شغف نما مع المكان وتطور مع الزمن، وأصبح جزءًا من ذاكرة المنطقة الشرقية الرياضية؛ حكاية بدأت بمباريات جمعت العاملين في أرامكو، ثم اتسع أثرها ليصبح جزءًا من المشهد الرياضي والاجتماعي في المنطقة، وصولًا إلى مرحلة جديدة تتطلع فيها الخبر إلى حضور أكبر على خارطة كرة القدم العالمية.



