مقالات رأي

نبيله السهلي تكتب:”وجهُ العملة الآخر حينما يستيقظ المارد”

 

 

قد تكون القسوة أحيانًا إحدى الآليات التي يلجأ إليها الإنسان لحماية هشاشة قلبه، خصوصًا حين تتراكم عليه الضغوط وتُستنزف طاقته، وقد يكون ما يبدو شرًّا أو قسوةً في بعض المواقف انعكاسًا لجراح لم تجد طريقها إلى الالتئام.

 

فالإنسان،يشبه عملةً ذات وجهين؛ وجهٌ نراه في هدوئه، وتسامحه، ورحمته، ووجهٌ آخر قد يبقى خفيًّا في أعماقه، لا يظهر إلا حين تتراكم الضغوط وتتجاوز الإساءة حدود الاحتمال. وليس معنى وجود الوجه الآخر أن أحدهما زائف، بل إن كليهما جزء من تركيبة إنسانية واحدة، وما يظهر منهما يرتبط بما نمر به، وما نختار أن نغذّيه، وما نستطيع احتماله.

 

صراع الوجهين داخل النفس البشرية

 

لا يوجد في هذا العالم خيرٌ مطلق ولا شرٌّ مطلق. فالإنسان كائن معقّد، يحوي في أعماق روحه بذرةً للطف، والحنان، والذكاء السامي، وبجوارها تمامًا ترقد بذرة أخرى من الغضب، والأنانية، والقسوة.

 

والفرق بين شخص وآخر قد يكون في أيّ الوجهين يمنحه مساحة أكبر في حياته، وأيّ البذرتين يختار أن يسقي.

 

فالأخيار ليسوا بالضرورة أولئك الذين خلت نفوسهم من الغضب أو القسوة، بل ربما هم من خاضوا معارك مكتومة لكبح ذلك الوجه الآخر، واختاروا بوعي أن يغذّوا جانب الرحمة، حتى يطغى ونراه في سلوكهم اليومي.

 

الإنهاك المستمر للقلوب الطيبة لا ينتج صبرًا أطول، بل قد يوقظ أعتى المردة المختبئة.

 

ضريبة كبح المارد واستنزاف الطيبين

 

إن تهذيب النفس ومحاولة السيطرة على الجانب الخبيث والقاسي يتطلب جهدًا نفسيًّا هائلًا، وزهدًا في الرد على الإساءات. لكن الأزمة الحقيقية تبدأ عندما يظن الآخرون أن صمت الطيبين وضبطهم لأنفسهم هو ضعف أو سذاجة.

 

عندما تتجاوز التعديات والمواقف حدود الاحتمال، وتُستنزف طاقة الصبر، ينكسر ذلك السد المنيع الذي بذل الإنسان عمره ليبنيه.

 

في تلك اللحظة:

* يستيقظ المارد المسجون في القاع، ليأخذ حق الذات التي أُهينت.

* يتحول التسامح إلى قسوة حاسمة لا تراجع فيها.

* يظهر الوجه الآخر الذي طالما حارب الإنسان لإخفائه، حبًّا في السلام.

 

والمأساة الكبرى ليست في انفجار هذا المارد، بل في ردة فعل المجتمع من حوله؛ إذ ينسون كل سنوات الحِلم والطيبة، ويشيرون بأصابع الاتهام إلى الشخص نفسه قائلين: «إنك قاسي القلب!»، متجاهلين تمامًا أفعالهم التي كانت السبب في هذا التحول.

 

حدود السلام …

نحن لا نطلب من العالم سوى السلام، ولا نرغب في خوض معارك تُظهر أبشع ما فينا. لكن على الجميع أن يدركوا أن للطيّب حدودًا، وأن تجنّب سقاية بذرة الشر لا يعني أنها ماتت، بل إنها تنتظر فقط تلك القشة التي تقصم ظهر البعير، فينهدم سدّ الصبر.

 

فرفقًا بالقلوب التي تحاول أن تبقى نَيّرة وسط عتمة هذا العالم، ولا تدفعوا أحدًا إلى إظهار وجه العملة الآخر.

 

فقد يكون الوجه الذي لم نره من قبل، ليس لأنه لم يكن موجودًا، بل لأن صاحبه أمضى وقتًا طويلًا في محاولة ألّا يظهره.

 

فالسلام ختام. مادام له من يحترم حدوده

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com