مقالات رأي

صناعة المظلومية المصطنعة وتزييف الوعي: تفكيك لخطاب الانكسار الإعلامي 

 

صدمة التحول في خارطة المنافسة الرياضية غالباً ما تنتج خطاباً إعلامياً مأزوماً، يعجز عن قراءة الواقع بعين مجردة، فيلجأ إلى صناعة “ميثولوجيا” خاصة تبرر السقوط وتُقزم المنجز الفني الحقيقي لحسابات ضيقة. ولعل القراءة السوسيولوجية الحصيفة للمقال الذي سطره الكاتب نايف الحمد تحت عنوان “موسم الغرائب انتهى! تكشف بوضوح عن هذا النسق التقليدي من “البروباغندا الارتدادية” والتي تحاول جاهدة التغطية على تفوق استحقاقي صارم داخل المستطيل الأخضر، عبر اختزال منجز بطل الدوري المتوج في ثنائيات باهتة تدور حول الصدفة، والجدولة، والتحكيم.
حين يسقط الخطاب الإعلامي في فخ التقليل الممنهج من منجز نادي النصر، فإنه يضع مصداقيته المهنية على المحك قبل أي شيء آخر؛ فالادعاء بأن تحقيق النصر لبطولة الدوري جاء نتاج جدولة خدمته أو بفضل أخطاء تحكيمية هو التفاف علني على الحقيقة الرقمية والفنية الحاكمة للموسم بأكمله. النصر لم يحقق اللقب بالصدفة أو الهبات، بل عبر منظومة فنية متكاملة فرضت هيمنتها الكروية واستحقت صدارة المشهد بالأرقام، وإن إقحام شماعة التحكيم والجدولة عند انتصار النصر تحديداً، وتجاهلها تماماً في مواسم خلت، يجسد ازدواجية المعايير المفرطة في النقد الرياضي التي تحاول سلب البطل نشوة منجزه الشرعي بهدف امتصاص غضب الشارع الرياضي المحتقن لدى الطرف الآخر وتخفيف صدمة الخسارة عليه.
ويستوقف المتابع للمشهد ذلك العجز الفني الذي يُترجم في المقالات على شكل بكائيات افتراضية، حيث يربط الكاتب حسم البطولة بلقطة “علي لاجامي” في الثواني الأخيرة معتبراً إياها غصة كدرت صفو فريقه، وهنا تكمن مغالطة منطقية فادحة، فكرة القدم تُبنى على الواقعية والتركيز حتى صافرة النهاية، واستدعاء لقطة معزولة وتضخيمها لإثبات أن المنافس سلب البطولة بالحظ يعكس قصوراً في القراءة التكتيكية للمباريات المفصلية، فالنصر انتزع البطولة بروح وعزيمة رجاله في الميدان، والرميات التاريخية لا تصنع أبطالاً ما لم تدعمها منظومة قادرة على الصمود وإدارة الأزمات.
إن الحديث عن غياب مبدأ تكافؤ الفرص والعشوائية الواضحة، والمطالبة بإصلاح المنظومة فقط عندما يخسر فريقه اللقب، هو اعتراف ضمني بأن هذا النقد ليس مجرداً من أجل مصلحة الكرة السعودية، بل هو نقد مشروط بالمنجز وغيابه، فالمنظومة التي توصف اليوم بالتخبط هي ذاتها التي قادت مواسم سابقة أشاد بها ذات القلم عندما كانت النتائج تخدم تطلعاته. وفي نهاية المطاف، يهرب الكاتب من هذا الواقع الفني المرير عبر بوابات الاستثمار والاستحواذ مستشهداً بسمو الأمير الوليد بن طلال كطوق نجاة لترميم البيت الهلالي، وهو انتقال مفاجئ يوضح الوظيفة الحقيقية لهذا الخطاب، وهي ممارسة التخدير الإعلامي للجماهير وصرف الأنظار عن الفشل الفني في المحافظة على المكتسبات عبر بيع وعود مستقبلية براقة، لأن موسم الرياضة السعودية الحالي لم يكن موسم غرائب إلا لمن استيقظ على واقع تتسيد فيه العدالة الميدانية، وتتوارى فيه السطوة الإعلامية التقليدية أمام زحف الأرقام وجدارة العطاء الساطعة التي فرضت نفسها بعرق الجبين وقوة القانون الكروي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com