مقالات رأي

نعمان عبدالغني يكتب:”الدعاية في كرة القدم العالمية”

 

 

تمثل الدعاية والإعلان في كرة القدم أحد أهم مصادر التمويل للأندية والاتحادات والبطولات الاحترافية، إذ تُقدَّر إيرادات الرعاية والإعلانات بمليارات الدولارات سنويًا. وقد نجحت الشركات العالمية في ربط علاماتها التجارية بالشغف الكروي، من خلال تقنيات البث الموجه، ورعاية أقمصة الأندية والمنتخبات، والاستعانة بالنجوم العالميين في الحملات التسويقية التي ترافق عقودهم الاحترافية.
أشكال الدعاية في كرة القدم
تتنوع وسائل الدعاية والإعلان في كرة القدم، ومن أبرزها:
رعاية الأندية والمنتخبات: من خلال عقود الرعاية الرئيسية، حيث تُطبع شعارات الشركات العالمية، مثل Adidas وFly Emirates، على قمصان الفرق وأطقم التدريب.
اللوحات الإعلانية الإلكترونية: المنتشرة حول أرضية الملعب، والتي تعرض إعلانات الشركات الراعية أثناء المباريات.
الإعلانات الافتراضية (DBR Live): وهي تقنية حديثة تتيح عرض إعلانات مختلفة على اللوحات نفسها وفقًا للموقع الجغرافي للمشاهد، بما يضمن وصول الرسالة الإعلانية المناسبة لكل سوق.
رعاية البطولات والمسابقات: مثل رعاية كأس العالم، ودوري أبطال أوروبا، وغيرها من البطولات القارية والدولية.
العقود الإعلانية للنجوم: إذ يحقق كبار اللاعبين عائدات ضخمة من الإعلانات التجارية، قد تفوق رواتبهم مع أنديتهم.
ويُعد الأرجنتيني ليونيل ميسي من أكثر الرياضيين تحقيقًا للإيرادات الإعلانية، إذ تتجاوز عائداته السنوية من الرعاية والإعلانات عشرات الملايين من الدولارات، بينما يحصل بعض النجوم على ما يقارب مليون دولار مقابل المشاركة في إعلان تلفزيوني واحد.
القوانين المنظمة للدعاية
يفرض الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) لوائح صارمة لتنظيم النشاط الإعلاني داخل الملاعب، حيث يمنع وضع أي رسائل سياسية أو دينية أو تجارية غير مصرح بها على ملابس اللاعبين أو داخل منطقة المنافسة.
كما تحدد لوائح «فيفا» المساحات المخصصة للشركات المصنعة للملابس الرياضية على قمصان المنتخبات خلال البطولات الرسمية، حفاظًا على الهوية الرياضية ومنع تحول المباريات إلى منصات تجارية بحتة. كذلك تخضع عقود الرعاية في البطولات الكبرى، وعلى رأسها كأس العالم، لضوابط قانونية دقيقة تمنع الاستغلال التجاري غير المشروع.
الجدل حول الدعاية التلفزيونية
يرى عدد من الخبراء والمدربين، ومنهم الألماني يورغن كلوب، أن الإفراط في الإعلانات التجارية، والتوقفات التي تُستغل لأغراض تسويقية، مثل فترات شرب المياه، يؤثران في إيقاع المباراة ويحولانها أحيانًا إلى فواصل إعلانية على حساب المتعة الرياضية.
الدعاية والتأثير في سلوك الجماهير
لا تقتصر الدعاية الرياضية على الشركات المرتبطة مباشرة بكرة القدم، بل تمتد إلى شركات التسويق والإعلان والترويج التي تستثمر المشاعر الجماهيرية لتحقيق أهدافها التجارية. فهي تعمل على تعزيز مشاعر الانتماء والرضا تجاه الفريق، حتى في فترات تراجع نتائجه، من خلال إثارة مشاعر الفخر والسعادة والإثارة والمفاجأة.
ويؤكد خبراء التسويق أن هذه المشاعر تؤثر في سلوك المشجعين وقراراتهم الاستهلاكية لسنوات طويلة، كما تسهم في زيادة ارتباطهم بأنديتهم، خاصة عندما يمتلك الفريق لاعبًا نجمًا يتم الترويج له وفق استراتيجيات إعلامية وتسويقية مدروسة.
وقد أصبحت الشركات العالمية المالكة لحقوق البث والرعاية تمتلك نفوذًا متزايدًا في صناعة كرة القدم، حتى إنها تمارس ضغوطًا على الهيئات المنظمة، وفي مقدمتها «فيفا»، لإدخال تعديلات على بعض القواعد بما يجعل المباريات أكثر سرعة وإثارة، ويزيد من فرص تسجيل الأهداف، استنادًا إلى الدراسات التي تشير إلى أن المباريات الأكثر تشويقًا تحقق نسب مشاهدة وإقبال جماهيري أعلى.
كرة القدم بين الاقتصاد والمجتمع
تنظر علوم الاجتماع الرياضي إلى كرة القدم بوصفها صورة مصغرة للمجتمع؛ فهي تعكس التنافس والنجاح والإخفاق، كما تعكس تأثير المال والإعلام والسياسة في تشكيل الوعي الجماهيري.
وقد أدى تضخم الاستثمارات في كرة القدم إلى نشوء صناعات وأسواق متكاملة، تبدأ من تصنيع قمصان الأندية والأعلام والمنتجات الرسمية، مرورًا بحقوق البث والإعلانات، ولا تنتهي بصناعة النجوم وتسويقهم عالميًا.
وفي هذا السياق، أصبحت أكاديميات كرة القدم، التابعة للأندية أو الاتحادات الوطنية أو الاتحاد الدولي لكرة القدم، جزءًا من هذه الصناعة، حيث تنتشر في مختلف أنحاء العالم، ولا سيما في الدول النامية، التي يحلم أطفالها بالسير على خطى أساطير اللعبة، مثل بيليه ودييغو مارادونا.
وتعد السنغال نموذجًا بارزًا في هذا المجال، إذ أسهمت مدارسها الكروية في إعداد عدد كبير من اللاعبين الذين احترفوا في أوروبا. وقد ظهر أثر ذلك جليًا في المباراة الافتتاحية لكأس العالم 2002 بين فرنسا والسنغال، عندما ضم المنتخب السنغالي عددًا كبيرًا من اللاعبين المحترفين في الدوري الفرنسي، بينما ضم المنتخب الفرنسي العديد من اللاعبين المحترفين في الدوري الإنجليزي، وهو ما عكس الطابع العالمي لصناعة كرة القدم، وتداخل الانتماءات الرياضية مع العولمة الاقتصادية والاحترافية.
وفي ظل هذا الواقع، لم تعد كرة القدم مجرد لعبة أو منافسة رياضية، بل أصبحت صناعة عالمية متكاملة، تتشابك فيها المصالح الاقتصادية والإعلامية والثقافية والسياسية، لتغدو الدعاية والإعلان أحد أهم المحركات الرئيسة لنموها واستمرارها وانتشارها في مختلف أنحاء العالم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WP Twitter Auto Publish Powered By : XYZScripts.com